كيف ترى تحولات القصيدة العمانية خلال السنوات الخمس الأخيرة؟ وما هي قراءاتك لمستقبلها في ظل الانفتاح على الآخر ومسايرتها لواقع القصيدة العربية؟
فاطمة الشيدي
الشعر في عمان فن أصيل جدا، وربما وحده الشعر يشكّل ظاهرة فنية وثقافية ممتدة ولها تقاليد وأسس ومرجعيات راسخة تمكّن القارئ والباحث من تتبع تحولاتها بدقة عبر الزمن. وذلك طبعا يرجع لأسباب تاريخية وثقافية معروفة ومتفق عليها تقريبا.
ومنذ سبعينيات القرن الفائت وحتى اليوم هناك ثلاث أشكال شعرية متناغمة (القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة وقصيدة النثر) ويعتمد حضور كل نوع على حساسية الشاعر وذوق المتلقي تجاهه، فكما لكل شكل شعراؤه، له متلقوه أيضا؛ ولذا تتفاوت قوة حضور كل نوع بين زمن وآخر، وخلال السنوات القليلة الفائتة- ورغم وجود قصيدة العمود وقصيدة التفعيلة بقوة ووضوح - إلا أن حضور قصيدة النثر كان الأكثر تجليا؛ في عدد الأصوات المائزة، وفي روعة السبك، وجمالية الصورة، وعمق الوعي الشعري الفارق، بل أن هناك الكثير من الأصوات الشعرية المهمة جاءت من مناطق أخرى وحطت رحالها في قصيدة النثر، واستوطنت قلبها الثر بالحرية والجمال، أو راوحت في كتابتها مع باقي الأشكال.
هذا إضافة إلى وجود أجيال شعرية متعاقبة منتجة وفاعلة في الوسط الثقافي، فإلى الشعراء الكبار الذين يتربعون على عرش هذه القصيدة (سيف الرحبي وزاهر الغافري وسماء عيسى) هناك أجيال جديدة محبة ومخلصة تظهر كل فترة، والمؤسسات الجامعية ما تفتأ ترفد الساحة بين الفينة والأخرى بشاعر أو شاعرة يختار قصيدة النثر شراعا لوعيه ولنصه.
هذا عن التحولات الخارجية أما عن روح النص فهناك تحولات جذرية كبيرة في المعنى؛ وذلك يرجع لأن قصيدة النثر تعنى بتجلي الواقع في اللغة، واستقاء روح النص من الحياة؛ ونحن اليوم نعيش في قرية كونية، وفي زمن يمور بالمتغيرات الإنسانية والمادية الكبرى كل لحظة، والأمر وقد أصبح العام الخارجي العالمي جزءا من المحلي الداخلي الذاتي تماما؛ فكل ما يحدث في العالم أصبح يعني ويهم الشاعر العماني بشكل ما؛ ليتابعه ويكتب عنه قصيدة كونية عبر هاتفه النقال، وهو يحتسى قهوته في بيته أو في مقهى على بحر عُمان وينشرها على أحد مواقع السوشيال التي يتابعها الجميع في كل مكان وقد تترجم في نفس اللحظة.
إن قصيدة النثر في عُمان وفي كل مكان تنبثق من القلق الوجودي الذي يعيشه الإنسان، وتعبر عنه، بل وتصبح سيفه الهش أمام طواحين الهواء التي يحاربها، وتصير جرحه النازف في واقعه المرعب المروّع بالحرب والفقر والجوع والموت، وهذه أكبر التحولات الجديدة في الشعر العماني والشعر بشكل عام، أي هذا الارتباط الكلي مع الوجود العام والخارجي؛ حيث يغيب المكان وتحل القضية التي يتناولها الجميع بنفس لهفة وغضب شاعرها المكاني. فكورونا وفلسطين، والتضخم الذي حرم الفقير من أبسط مستويات الحياة، والجوع، والغربة، والموت غرقا في البحر وغيرها هي قضايا الشعر الكوني، وكل شاعر يشعر بها بطريقته وبإحساسه بما ذلك الشاعر العُماني، فكما لا يمكن فصل الشعر عن الحياة؛ لا يمكن فصل الشعر العماني عن الشعر الإنساني وقضاياه المتجددة فهي مسار تحولاته الكبرى.
أما عن الشق الثاني من السؤال؛ فالقصيدة في عمان حية وناضجة بما يكفي لتصل للمتلقي في كل مكان ولتحلّق عبر الترجمة لآفاق خارج لغتها، ولقد تقاربت القصيدة العمانية مع متنها الأكبر القصيدة العربية منذ أن انفتحت عليها منذ زمن طويل، وأصبحت في موازاتها مستندة على تاريخها الراسخ، وسايرت واقعها وقضاياها وروحها، وهي تمضي في تجاوز ذاتها بقوة ولين وعذوبة، ولكننا في زمن الذكاء الاصطناعي ولا يستطيع أحد أن يتنبأ بمستقبل القصيدة القادمة والتي قد يكتبها حاسوب أو يلقيها كائن آلي في أمسية شعرية فيستحق التصفيق والإعجاب، هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك المشكل القديم الجديد؛ ألا وهو غربة الشعر في مجتمعات المادة والنشر المدفوع، وقلة الدعم المؤسسي.
لقد أصبح الشعر عبئا على صاحبه؛ فقل اهتمام دور النشر به، وانحسر القارئ والمتذوق والناقد، وقلت الأمسيات والدعوات، وليس للشاعر سوى الصمت ووضع قصاصاته في أدراجه.
بالطبع هناك من يحاول ويكتب وينشر، وثمة دعم نسبي من المؤسسات الأهلية والحكومية ولكن الشعر يستحق الأكثر من الدعم والقراءات والحضور، ونحن نأمل في ذلك وحلم به، فمجتمع بلا شعر مجتمع جاف وجامد وحياة بلا شعر لا تستحق أن تعاش، وليس لنا أن نقرأ أكر من الواقع، وليس لنا أن نتنبأ بأكر من الحلم .
تعليقات