لبيد العامري
شهادة لبرنامج ضفاف
نستشرفُ في تجربةِ فاطمة الشيدي التنوعَ والوعيَ المتجدد الذي لا يتجمد في مكانه بل كطائرٍ مهاجرٍ بعيدٍ عن السرب، يهفو إلى عوالمَ جديدةٍ وأراضٍ غيرِ مطروقة، فكان لتجربةِ الشيدي اختلافُها وخصوصيتُها وهويتُها التي لا تشبه أحدًا ولا تستمرئ التقليد، فكانت هذه العوالم والأراض التي ولجتْها وأولجتْنا معها في كتاباتِها تنحو إلى هواجسَ وجوديةٍ قلقةٍ ورؤىً فلسفيةٍ شرقيةٍ وغربيةٍ صوفيةٍ وعقلية، هذا غير ما كان ينتزِعُني بقوةٍ في تجربةِ الشيدي، وهو شغفُها الذي لا يتوقفُ عن محاولةِ التنقيبِ عن تبرِ الجمالِ في منجمِ فحمِ الحَياة، فكان هذا الجمالُ الذهبَ الذي يضيءُ على شكلِ قصيدةٍ، فيلمٍ، موسيقىً، قهوةٍ، شوكلاتة، عزلةٍ، قراءةٍ، صوفيةٍ، محبةٍ، جمالٍ، طبيعةٍ، فيروز وغيرِها من أسلحةٍ ودروعٍ تتخذها الشيدي في حياتِها وكتاباتِها، كما يتخذًها عمر سالم"بطلُ روايتِها "بحةُ الناي"، هذه الروايةُ الجسورةُ التي تنصلتْ فيها الشيدي من أكاديميَّتِها فكتبَتْها كما لحنِ الناي الذي ينداحُ طليقًا بلا قوالبٍ وطرقٍ مرسومةٍ سلفًا، أو تنظيراتٍ لكيفَ يجبُ أنْ تكونَ الروايةُ الجديدة. كتبت الشيدي روايتَها كما أحبُّ أنا أن تكون الرواية، تلك التي يكتُبُها مثقفٌ أصيلٌ، الروايةُ القويةُ كما أحبُّ أن أسميها، قويةٌ فنًا ولغةً وحكيًا وعقدةً وفكرًا، ولا بأس بترصيعِها ببعضِ الشِّعر، كما كتبها سلفها من الروائيين الكبار، فكان لهذا النزوع الخلاق المختلف عن الروايات الجديدة ضريبتُهُ وعُزلَتُه.
وكما في الرواية، كذلك اختلفت قصيدة الشيدي عن مجايلِيها ممن كتبوا قصيدةَ النثرِ في عُمان، فكنت سريعًا ما أميزها، قصيدة تتمدد باندغامٍ مكثف للصورة الشعرية مع اللغة القوية، قصيدة تعرف متى تركُضُ وتهروِلُ وتمشي ومتى تسكُن.
يجذِبُني في بعضِ الشعراءِ ابتكارهم إلى ما لا أجيدُهُ أنا ويعصى عليّ، بصفتي أكتُبُ الشِّعرَ كما يصفَني بعضهُم، فكان يسَمِّرُني، ويستفِّزُِني أيضًا، ذلك التوسعُّ الشعريُّ المصقولُ بعنايةٍ في قصيدة الشيدي، لا ذلك التوسعُ الذي يخلو منَ الشِّعرِ أو ذاك الاعتباطيُّ الذي يهدِم ُهيكَلَ القصيدة، إنها معادلةٌ شِعريَّةٌ صعبةٌ تمكنت مِنْ موازنتِها الشيدي.
أما المحورُ الثالث، وهذا كما يقول العمانيون "ما عليه كلام" وهو مقالاتُ ونصوصُ فاطمة الشيدي المفتوحة، هنا تعلَّمتُ وتدرَّست، إذ أجدُ أن الشيدي أحدُ أمهرِ كتابِ المقالةِ في عُمان، وأذكر أنني ذاتَ يوم، بعزيمةٍ لم أخلْ أنها ستصطدمُ بحجَرِ المُستحيل، حينَ أزمعتُ أن أقرأَ كلَّ مقالاتِ ونصوصِ فاطمة الشيدي التي في مدونَتِها، كما أفعلُ مع غيرِهِم من الكتابِ الذين أحبهُم عادة، إلى جانبِ مقالاتُ الأستاذِ حسن مدن في صفحتِهِ في الفيس بوك، حتى جهدتُ وتعبتُ فقلت في نفسي: "أوووه مو أقرا ومو أخلي، هذيلا مو ما كتبوه، ما بقوا شيء".
تعليقات