في مديح القارئ
فاطمة الشيدي
في مديح القارئ
أن تنظر لكتابك أو كتاباتك من الخارج عبر عين قارئ حاذق فتراها بشكل ناصع يذهلك ويفرحك لأن قارئا حصيفا غاص في عوالمك وقرأ رعشة روحك ولهفة حواسك في لحظة ما وقد تحولت لحروف، وربما بشكل جديد حتى عليك أنت صاحب الروح والتجربة التي صاغت لحمك ودمك.. فهذا أجمل مايحظى به كاتب!
لأن الكتابة _مهما نظرنا للذاتية فيها_ هي مشروع البحث عن قارئ؛ القارئ الذي يغوص في بحر كلماتك بعدة روحية أو فكرية أو أكاديمية تمكنه من فهم تلك الكلمات وعبرها فهم حالتك وترجمة أحاسيسك أنت الوحيد ساعة الكتابة تبحث عمن اتحد معك لاحقا وعاشها معك، أو اتحدت تجربته في تجربتك ووعيه في وعيك وأحاسيسه في أحاسيسك ليصرخ من أعماقه (يااااه كم يشبهني هذا النص وكم يقولني!).
أن ينظر قارئ بعين فاحصة وإحساس مشحوذ بالوعي والمعرفة ليتبين صورك وأحاسيسك عبر عدسته المكبرة وأدواته الدقيقة فيسلط الضوء على شيء منك قلته من عمق التجربة بلا قصدية تامة، بل بعفوية شعورية ولغة شاعرة كانت تروم البوح فقط في تلك اللحظة المشحونة.
إنها جمالية التلقي التي تتعالق مع جمالية اللغة فتنتج نصها الأعمق بوعيها الخاص الذي يعيد قراءة ما نكتب بشكل جديد، متحدا مع خبرات القارئ ووعيه، ومكتنزا بالدلالات الجديدة.
إنه القارئ الحقيقي الذي يضفى على المعنى معنى.. ويجعل المعنى فعلا خارج النص باشتغال واع، وراق جدا للقراءة.
القارئ الذي نبحث عنه في كل مانكتب، ليعيد تشكيل نصنا في نصه، كما يعيد اكتشاف نصنا مرة أو مرات في شهادته أو نقده.
وإذا كان الكاتب يتعالق مع كل قارئ لنصه بفرح حتى لو كان عبر صورة لكتابه، أو بضع كلمات تجعله يشعر بالتقارب معه؛ فكيف به مع القارئ الأعمق الذي يخوض في التجربة بوعي ومحبة ويتحد معها بجدية؛ ليتعرف عليك عبرها سواء بقراءة نص أو كتاب أو بالكثير مما كتبت.
وهنا أتذكر مقابلة لي في برنامج في هواء الكتابة حيث كان الكاتب والإعلامي (والقارئ العميق) صالح العامري يحاورني في تجربتي الشعرية ولعمق ملحوظاته الدقيقة والتقاطاته الألمعية لنصي شعرت بأنني أرغب في الصمت لسماع تلك الملحوظات وتأملها بدل التعليق عليها؛ ليصبح المحاوِر ناقدا وقارئا أكثر من طارح للأسئلة، ومقدما لإجابات فنية أكثر من المحاوَر.
أما في لقائي الأخير مع الكاتب والإعلامي (والقارئ الدقيق) سليمان المعمري فقد كانت أسئلته قادرة على نبش مخزون الذاكرة والوعي معا، والذهاب فيما وراء النص نحو الحياة وكانت بالتالي مدهشة حد الإعجاب أنا التي كنت أستمع لها في الأستوديو لأول مرة، كما كان تتبعه الدقيق لمناهل التجربة يستحق الإعجاب والتقدير، تماما كالإصغاء للمحاوَر حيث يترك لك كل المساحة لتعبر عن نفسك دون أن يقاطعك أو يلقي في مساحتك أي مشتتات لذهنك أو توجهات تقاطع انسياب أفكارك.
أما الصديق الأكاديمي والناقد الحاذق د. محمد الشحات فهو القارئ الذي يجعلك تبحث عن نفسك في تحليله العميق لنصك وقد تعود لذلك النص لتقرأه مرة أخرى وأنت تستحضر ماقاله وتبتسم برضى وفرح.
د.محمد الشحات مثال الناقد الصديق للكتّاب وللنصوص معا، المتحد مع مشهد ثقافي ينمو بمحاذاته، فلا يعزل نفسه في برج الأكاديميا العاجي بكثرة مشاغله، والذي لايدع مساحة للناقد أن يقرأ الكثير أمام مسئولياته الأكاديمية الجسام التي ينوء العقل تحت ثقلها.
وأخيرا وبدهشة أكبر كان لبيد العامري الشاعر الجميل الذي يذهب في ركاب والده الشاعر الكبير مبارك العامري شاعرا وقارئا، حيث شعرت بالفرح في تعليقاته على بعض نصوصي في مواقع التواصل التي أظهرت قراءاته الواعية للكثير مما كتبت، شعرا وسردا ومقالا، فكانت الدهشة موازية للفرح فهو من جيل يقرأ لمجايليه أكثر مما يقرأ الإبداع الإنساني الأقدم، وكثيرا مانوهت لهم في محاضراتي أن القارئ الحقيقي عليه أن يأتي للحاضر مزودا بحساسية الأدوات وعمق التجارب وهذا لن يحدث إلا بقراءة الأبعد زمنيا ومكانيا .
ولكن لبيد كان ممن تربى على ذلك فعليا؛ فقرأ الكثير من التجارب التاريخية وقرأ في الثقافة العمانية الكثير.
ولذا فلبيد يذهب في شعريته العميقة بوعي وهدوء معتمدا موهبة شعرية غذاها وأثقلها بالقراءة وهذا هو ميزان المبدع.
فشكرااا للقارئ الذي يربي جمالية النصوص في حديقة وعيه، ويدفع بالإبداع نحو النضج والعمق عبر أدواته.. شكرااا القارئ الذي يوازي الإبداع نصا بنص وروحا بروح.
تعليقات