النزعة الخطابية في شعر (فاطمة الشيدية)
دكتور / جمال فودة
إن بنية القصيدة عند
(الشيدية) تتضمن العديد من المضمرات النسقية التي تتعلق بنظرة الشاعرة الخارجية للواقع
من حولها، وما تمثله من ضغط نفسي انعكس على شعرها، ومن ثم يمثل الكشف عن هذه
الأنساق استبطاناً يمنح النص ميزة التعدد القرائي والتأويل الفكري؛ مما يسهم في
فهم الأبعاد المعرفية والنفسية للشاعرة، لكن طغيان النزعة الخطابية غطى على قيمة
النسق المضمر وفاعليته داخل النص الشعري.
في قصيدة تخاطب فيها (الشيدية) فلسطين
قائلة :
يا فلسطين
دمعة واحدة نغرق فيها
جميعا من المحيط للخليج،
سكينا واحدة تذبحنا جميعا
من الوريد للوريد
صرخة واحدة تشق أرواحنا
ونشفق منها معا
ولكن لا عزاء لك أو لنا
فخذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح
أطفالك
ملحا للتاريخ الأسود
كفنا من ماء
صرخة في وجه الصمت العربي
ذاكرة من دم وتراب
حدّثينا أحاديثك الراعفة
بالعزة
وقصّي علينا بعض القصص
عمّا يستعصي على الفهم الآن
اجمعينا ضوءاً بين رموشك
حزناً للزعتر والزيتون
صلاةً للبرتقال وللبحر
قصائد من عصبية رعناء
وجهل غض أمرد
اجعلينا كلمات بلا معنى
تقول بعض الأشياء عن
العروبة والدين
أضيفي لنا ما تجاسر من
المعاني على القواميس كالكرامة والشرف
ردّدي علينا بعض الحماقات
عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد
دعينا ننام في حضنك
الدامي لنحلم بالحرية
قدّمي لنا دروسا حيّة عن
القومية والعدل
اجعلي قلوبنا الممزقة
بالغصّة واليأس خِرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبوراً لشهدائك
كوّرينا في رحمك النازف
أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة
كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزاً أسمر يأكله
الشهداء على عجل
حرّرينا من العجز الذي
يكبلنا
ادرئي ولو قليلاً هذا
الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من
خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
وغضي الطرف عن النظر في
وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل
القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون؟
نحن أبناء التاريخ السذّج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللّغة
الخضراء
نحن العزّل إلا من قلوبنا
ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق
وبالإنسان
في
القصيدة السابقة نلاحظ أن اختيار الألفاظ له دور كبير في إثارة الانفعال النفسي؛
لأن الإيقاع الداخلي للألفاظ والجو الموسيقي الذي يحدثه عند النطق بها يعد من أهم
المنبهات المثيرة للانفعالات الخاصة، كما أن له إيحاءً نغمياً خاصاً لدى المبدع
والمتلقي على حد سواء، لذا فإن تقييم كل تشابه في الصوت إنما يتم على أساس علاقته
-وجوداً أو عدماً ـ بالتشابه في المعنى.
وفي هذه القصيدة ينثال الشعر المتدفق حيوية عن نفس ثائرة؛ فتحس فيه
بحرارة أنفاس الشاعرة
تعبيراً عما يخالجها من إحساس تجاه المخاطب.
لكن الإفراط في الاعتماد على النزعة
الخطابية يجنح بها إلـى التقريـر والمباشرة، لا
إلى الإيحاء والدلالة، خاصة عندما تعلو النبرة الخطابية في النص فيفقد جزءاً
كبيراً من الإثارة التي تتولد مع استكشاف آفاق جديدة لأبعاد التجربة الشعرية.
فنلاحظ توالي أفعال الأمر (فخذينا،
اجعلينا، حدّثينا، قصّي، اجمعينا، اجعلينا، أضيفي،
ردّدي، دعينا، قدّمي، اجعلي، اجعليها، كوّرينا، اجمعينا، حرّرينا، ادرئي، ابتسمي، غضي ...) والتي تدور في فلك استنهاض الهمم، وبث الأمل في نفوس غمرها
اليأس، حيث تدور الدلالة حول محور النضال ـ بكافة
أشكاله ـ والذي يعد من المحاور الأساسية في شعر (الشيدية) من خلاله تحيي الموات بالتوجه
إلى منطقة المقاومة بكل فاعليتها التفاؤلية، وبكل منطلقاتها الاجتماعية والسياسية،
مع ملاحظة أن الحرية لها آلامها الممتعة.
حرّرينا من العجز الذي يكبلنا
ادرئي ولو قليلا هذا
الخزي الذي ينزف في أعماقنا
وابتسمي لنا بإعياء من
خلف صوت الموت
وأحاديث الفناء
فهي تعمل على تجميع النضال في بؤرة مؤثرة تعمل
على تغيير الواقع بفاعلية تنبع من الواقع الجماهيري الذي يرسف في قيود المهانة، والدعوة
إلى الصمود والمقاومة لخلـــق أجيال تواصل النضال لبلوغ الهدف الإنساني الحقيقي (صرخة في وجه الصمت العربي)
لقد
استطاعت (الشيدية) أن توازن بين قوالب الصياغة الموروثة لأسلوب الأمر والرغبة
الملحة في الإبداع الخاص وإنتاج الإيحاءات والتوقعات الجديدة، باستخدام الصيغة على
نحو يتيح لها إنتاج دلالات تركيبية تجسد حالة نفسية خاصة تعيشها الشاعرة.
ومن ثم ينبض الأسلوب الإنشائي بتجربة الشاعرة
المتأججة القلقة، في محاولة منها لتصحيح المسار، وإيقاظ العزائم وإحياء الضمائر ونفخ
بوق الجهاد، وفي نفس الإطار كان التعامل مع الضمائر كروابط إحالية، إذ تؤدي مهمتها
بالإحالة لكونها كناية عن صاحبها (متكلم أو مخاطب أو غائب)، حيث تصبح بنية النص
سبيكة متلاحمة العناصر نتيجة لعوامل الربط الظاهرة والمستترة، المنفصلة والمتصلة،
ويصبح الضمير حينئذ واحداً من الروابط التي تجمع الأدلة اللغوية في بنية النص.
اعتمدت الشاعرة على ضمير المتكلم بوصفه أحد
وسائل الأداء الإبلاغي، وجعلت منه مرتكزاً حوارياً يصنع تواصلاً بينها وبين
المتلقي، كما اتخذته وسيلة للتضافر الأسلوبي الذى يجعل من النص وحدة متماسكة؛ حيث
تكرر ضمير المتكلم (ثلاثين مرة) في القصيدة، و إذا كنا نبحث عن ضمائر المتكلم في
شعر" فاطمة الشيدية " فليس معنى ذلك استقلالها عن قضايا الواقع حولها،
بل إنها تتوحد بها لتكون " الأنا " تعبيراً عن هموم الفرد / المجتمع بأقنعة
مختلفة يلعب فيها الآخر دوراً لا يقل أهمية عن دور الذات.
نلاحظ في القصيدة عناية الشاعرة بزمن الحضور
في رصد دلالة ضمير المتكلم، إذ هو مصدر هموم الذات الخاصة والعامة فالمؤشرات
الصياغية (نغرق، تذبحنا، نشفق،
ننام، يكبلنا) تتردد في هذه الدفقة الشعورية لتعمل على
تعلق الدلالة الشعرية بزمن الحضور في السلب والإيجاب، وأهمية الضمير تتمثل في إتاحة
الفرصة للمشاركة في صنع الأحداث والسمو بها من منطقة الواقع إلى منطقة الحلم،
بتجاوز اللحظة الآنية إلى لحظة أخرى قادمة في المستقبل.
ومن ثم جاء ضمير الخطاب الذي تكرر (تسعاً وعشرين
مرة)؛ ليؤدي دوره في تشكيل الدلالة، حيث تخرج الذات الناطقة عن حالة الإفضاء
الداخلي (في غيبة مخاطب حقيقي حاضر في النص) فتنتقل من توجيه خطاب ضمني / محتمل
إلى خطاب حقيقي، تستحضر فيه مخاطباً تلقى إليه برسالتها وتتحاور معه.
يا فلسطين
لا عزاء لك أو لنا
فخذينا إليك
اجعلينا جرحا بين جراح
أطفالك
حدّثينا أحاديثك الراعفة
بالعزة
إن انفتاح الحلم قد استدعى حضور الذات
المخاطبة بضمائرها المتصلة؛ لتشكل البنية في إطار رومانسي حالم؛ حيث يصير الكلام
صيغة من صيغ البوح، ووسيلة من وسائل التنفيس عن طاقة مكبوتة. هذا إلى جانب دور
الضمائر في ربط بنيات النص ولم شتات تراكيبه في وحدة أسلوبية تتآزر جزئياتها في
سبيل إبراز دلالته الكلية.
فإن
كانت البلاد ترسف في أغلال الاحتلال فاقدة كبرياءها، فمازالت تهيم برؤياها العيون
وتتراءى أمام ناظريها أطياف الشهداء، ولو كانت هي مصدر جرحنا -الآن ـ فستكون مبعث فرحنا
غداً حين تعود إلينا ونعود إليها.
هذا
وإن كانت الشاعرة لا تهدف من وراء الخطاب لاستدعاء الأشياء على مستوى القول، وإنما
تستحضرها لدواع ٍأخرى،
كوّرينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض
اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص
أو حتى خبزا أسمر يأكله
الشهداء
في محاولة لإدراك ما يمكن إدراكه، وإلقاء حجر
في المياه الراكدة ليحركها، وبعث المقاومة في نفوس جرفها اليأس، تنادي (الشيدية) فلسطين
بهذه النداءات المتكررة التي تأتي بأوجه مختلفة لتجسد قيمة واحدة تلح عليها الشاعرة
وهي إضرام نار الثورة لتأكل الأخضر واليابس حتى يستعيد الوطن حريته، وليس للحريّة
الحمراء غير بابٍ…بكلِّ يَدٍ مضَرَّجَةٍ يُدقُّ.
إن الشاعرة هنا تركز الشاعر على توصيل
الفكرة، وتتخذها هدفاً تبغي الوصول إليه؛ لذلك تعتمد على رصد الحقائق بلغة يسودها
الوضوح والاستدلال.
إن
تكثيف بنية أسلوبية ما في نص شعري يوحي بأنها ظاهرة متميزة ينسجها الشاعر في حالة
وجدانية خاصة، والأسلوب
الإنشائي (الأمر) من الظواهر الأسلوبية التي تلعب دوراً بارزاً في كشف إبداعية
النص الشعري لدى (الشيدية)؛ إذ يصور تموجات الحالة النفسية التي تعتريها؛ لكونه
يهدف إلى الإبانة عن دلالات داخلية فيما يشبه البث الإيحائي، إذ ينزع إلى إبراز
إيقاع درامي سيكولوجي.
وفي نهاية القصيدة تعمد (الشيدية) للمراوحة
بين الوصف التقريري والوصف التصويري، تقول:
وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا
كي لا تبصري الرعب والخجل
القادم من وراء الشمس
ولا تسألينا من نكون
نحن أبناء التاريخ السذّج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللّغة
الخضراء
إن (الشيدية) في هذه القصيدة التي مازتها صفة الخطابية تبتعد عن الإغراب في
اللفظ مفـضلة الألفـاظ السهلة الواضحة، والصورة التي يقرب فهمها استجابة لطبيعة الموقف،
وكأنها في تراوح بين التصوير والتقرير، بهذا الشكل تجذب المتلقي فينشغل ذهنه بالصورة،
ثم يقرر ما تهـدف إليه كاشفاً في ذلك عن الأبعاد الدلالية والنفسية.
وعند رصد ملامح بناء الجملة الشعرية عند (فاطمة
الشيدي) لاحظنا أن الجمل الطويلة كان لها نصيب موفور في ديوانها، فقد تجد جملة
تستغرق أكثر من سطر؛ فمثلاً نجد جملة شعرية استغرقت سطرين متتاليين:
اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصّة واليأس خِرقا واهية
ترتقي بها ثقوبك الواسعة
أو اجعليها مناديل لدموعك
أو قبوراً لشهدائك
هذه جملة واحدة تصور حالة اليأس
والبؤس التي وصل إليها واقعنا العربي! المؤسف في الأمر أن هذا الطول أوقعها في شرك النثر الذي نال من
إيحائية التعبير، وأخرجه في صورة تقريرية باهتة.
في اللقطة السابقة ثلاثة
أفعال متعدية ، وسبعة حروف ، واثنتا عشرة اسماً ،وتسعة ضمائر، وهذه الإطالة التي رأيناها في
جملة واحدة رصدناها فقط على المستوى الأفقي في بناء الجملة أما على المستوى الرأسي
فإننا نلحظ أن الوظيفة النحوية طالت في نفسها من خلال ظاهرة (التعاقب) وإحلال جملة
( اجعلي ) محل المفردة ، وهذه جملة شعرية واحدة حدثت فيها كل هذه الوسائل التي
أطالت الجملة، لكن ربما يشفع لـ (الشيدية) أن القصيدة تعتمد على الصورة بشكل رئيسي
، والتصوير يحتاج إلى هذه الإطالة؛ لترسم الصورة في الخيال وكأنها واقع محسوس.
وأبت (الشيدية) إلا أن تختم قصيدتها بصورة
أخرى رسمتها في جملة اسمية ممتدة، وأخرى معطوفة، فالأولى تبع الخبر فيها (نعتان) وأربعة من أشباه الجمل
(الجار والمجرور) منهما اثنان منعوتان، وفي الجملة الاسمية جاء بعد الخبر استثناء
وشبه جملة واسمان معطوفان، ثم شبه جملة واسمان معطوفان !!
نحن أبناء التاريخ السذّج
المنتمين للرب وللفكرة
للذاكرة الرطبة وللّغة
الخضراء
نحن العزّل إلا من قلوبنا
ودموعنا
وإيماننا بالخير والحق
وبالإنسان
في
الحقيقة لقد بهرني شعر (فاطمة الشيدية) بطابعه الفني والإنساني، وحسبي في ختام هذه القراءة أن أقول إن (الشيدية)
شاعرة لا تُعرف وإنما يُتعرف عليها من خلال شعرها فهو لسان حالها وترجمان ذاتها،
لقد وجدت فيها صوتاً من أصوات الحركة الشعرية الراهنة في ثقافتنا العربية، ولا تفي
هذه القراءة العجلى بما يستحقه شعرها من نظرات أخرى للوقوف على أسراره وسبر أغواره،
وهذا ما نرجوه في المستقبل القريب.
دكتور/جمال فودة
عضو الاتحاد الدولي للغة العربية
عضو الجمعية العمانية للكتاب والأدباء
عضو المجمع الدولي
للأدباء والمثقفين العرب
كاتب وناقد وأكاديمي مصري
تعليقات