التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

د.فاطمة الشيدي
كاتبة، وأكاديمية بجامعة السلطان قابوس
حول النقد
مجلة أبجد الثقافية عدد 11


ما هي الأساسيات التي يتوجب توفرها في الناقد، ليكون مؤهلاً لتقديم رأيه، ورؤيته النقدية لأي عمل؟

المعرفة والخبرة هي أساسيات النقد وعدة الناقد الحقيقي؛ فالأولى هي نتاج معترك ثقافي نظري والثانية هي نتاج معترك فنى تجريبي؛ ومن هنا فالناقد ينبغي أن يكون مطلعا على النظريات النقدية التي يجعلها محكا أو معيارا يبنى عليه قراءاته أولا بأول، كما ينبغي أن يكون مطلعا على النتاجات الإبداعية في سياق تخصصه الثقافي اطلاعا مباشرا وحثيثا ومتصلا مع كل جديد بحيث لا يكون بعيدا عن المجتمع المعرفي الذي يعيش ضمنه، ويكتب فيه؛ وإذ أن الإبداع متجدد فعليه أن يكون كذلك بمعنى لا يهمل الجديد التجريبي في الإبداع والنقد معا؛ ليحظى بثقة المجتمع الثقافي الذي يستمد منه مادة منتجه المعرفي وثقافته الواسعة، كما عليه بالضرورة أن يذهب بعيدا في الزمان والمكان ليكون ثقيلا في معيار المعرفة وميزان الثقافة، فالوعي لاحدود له ولازمكانية بل هو بحر لجي قديم وواسع ومتجدد الروح والرؤى.



*هل ينعكس الذوق الشخصي للناقد، على رؤيته النقدية للعمل، بحيث يكون التقييم الناتج عن ذلك مجرد رأي شخصي، تنقصه المهنية؟

في البدء لا يمكن الاعتقاد بأن ثمة موضوعية إنسانية بشكل كلي وتام أو مطلق؛ فالإنسان رهن تكوينه النفسي والاجتماعي والمكاني والزماني مهما ادعى عكس ذلك أو حتى حاول ذلك ولكن تظل هناك فروقات إنسانية يصنعها الوعي والمعرفة والحرية ومحاورة كل ذلك بصدق وفهم للذات وللعالم؛ وبالتالي نعم ينعكس الذوق الفني للناقد على أحكامه النقدية ورؤيته الفنية، ولكن التقييم الناتج عن ذلك ليس مجرد رأي شخصي، تنقصه المهنية؛ فالذوق الذي تربى بمهل ووعي وخبرة وممارسة ليس هو الرأي العام أو الجاهز أو السطحي؛ إنه ذوق متمرس، ذوق محمّل بالعتاد المعرفي والرؤية الواعية والناضجة ثقافيا وإنسانيا، ومنطلق من نظريات علمية محكمة ومشهود لها؛ إن الذوق الفني كائن ظلي ينمو بنمو صاحبه ويتفرع بتفرعه؛ ليصبح كل رأي رؤية، وكل ذوق قيمة متعددة الاتجاهات، ثقيلة وصالحة للحكم.

إن الذوق هو روح صاحبه ورؤيته عبر تبنى قضية فنية أو أيدلوجية ما، والحكم بقوة النتاجات أو ضعفها عبر الشكل أو المضمون، والمعنى أو المبنى وبالتالي فانعكاس الذوق في النقد لا يقلل من قيمة عمله بل يكون محكوما بخلفيته المعرفية وبالتالي فلا تنقصه المهنية بل هو ممارسة لروح المهنية ووعي الإنسان معا.



*هل تراجع دورا الناقد على الساحة، وتخلّى عن دوره كعنصر أساسي يسهم في الارتقاء بالذوق العام، وبمستوى الأعمال الإبداعية المقدمة؟

هناك من يقول بذلك الآن، وهناك من ينادي بموت الناقد؛ ولكن من وجهة نظري أن فكرة الناقد تتغير تماما كما يتغير الإبداع فهي جزء منه، ونظريات النقد الحديثة التي تقترح "القارئ" كمتلقي جديد يعيد إنتاج النص من وجهة نظره، وصناعة نص عبر النص أو نص على نص، أو الكلام على الكلام الذي هو أمر صعب ليست إلا أحد هذه الأفكار التي تقترحها المثاقفة النصية والقراءة الجديدة، وهي حاضرة فعلا وموجودة بقوة؛ ولذا قد يتغير شكل النقد وحضور الناقد من باب تناسخ الأفعال الإبداعية وأشكالها كطاقة فكرية ومعرفية؛ ولكن لن تفنى بل سيظل النقد بكل أشكاله الكلاسيكية أو الجديدة هو سلاح الزمن في غربلة الإبداع، وفي اقتراح الجيد منه للمثول في الآني أو الثبات في الذاكرة والخلود في الزمن، وبذلك يسهم في الارتقاء بالذوق العام، وبمستوى الأعمال الإبداعية المقدمة.



*هل ينظر كتاب وفنانو الجيل الحالي إلى الناقد كشريك داعم، يدفع باتجاه التطوير والارتقاء بالأعمال، أم أن الأنا المتضخمة لدى الكثير منهم تؤدي لتهميش وتجاهل دور الناقد؟

أظن أن الفريقين موجودان، فهناك من ينظر له كشريك داعم، يدفع باتجاه التطوير والارتقاء بالأعمال، بل ويؤمن به ويحترم منتجه ويتابع حضوره ويفرح إن تقاطع معه أو تناول منتجه بمشرطه الافتراضي وقد يتزلّفه كثيرا ويطلبه ويسعى له، أما الأنا المتضخمة والتي تؤدي لتهميش وتجاهل دور الناقد فهي حاضرة بقوة أيضا وأذكت الرقمية جذوتها بحضورها البيني للنص أي المتقاطع مع الموسيقا والصورة وغيرها، وبالتالي فهذا النص أكثر قدرة على الحضور ويستجلب التصفيق و(اللايكات) ولكن غالبا يكون ذلك الإعجاب والانبهار مؤقتا ويغادر النص بعد دهشة المرة الأولى. وبين الفريقين المؤمن بالنقد، والمتعالي عليه يظل النقد حاجة ثقافية لكل متعاطي مع الإبداع المعرفي والثقافي.



*ما هو رأيكم بشكل عام في مستوى الأعمال المقدمة على الساحة.

في البدء يجب الانتباه أن النقد أنواع؛ فهناك نقد صحفي، وهناك نقد ثقافي، وهناك نقد منهجي أو أكاديمي، ولكل منها قيمته وغاياته، وهي مهمة جدا للساحة الثقافية كل في مجاله؛ شريطة أن تكون قائمة على وعي ومسئولية الناقد عبر الاطلاع المستمر في الاتجاهين؛ النقدي والإبداعي، وليس أشبه بالنقد إلا الطب الذي يحتاج صاحبه لمواصلة التعلم والتعرف على جديد العلم (كنظريات علمية في حد ذاتها)، وجديد الأمراض وتعامل العلم معها من جهة ثانية وفي كل مكان في العالم؛ لأن العالم اليوم يمثل حالة واحدة ومشتركا إنسانيا متصلا بكل أطرافه.

ولذا حين نتحدث عن ترودوف أو جورج ماي أو رولان بارت أو كولون ويلسون فنحن نتحدث عن النقد المعياري الذي يجب أن يطلع عليه كل ناقد وأن يهتم بالنظر إليه كحالة معيارية، ووفق هذه الحالة المعيارية هناك أعمال عظيمة أثرت الوعي الإنساني ومثّلت مدرسة فكرية وفلسفية خالدة، وهناك محاولات صحافية وثقافية ومنهجية مهمة لدراسة الإبداع ولتغذية المؤسسات الصحافية والثقافية والأكاديمية ولكنها تظل في حاجة لكثافة المعنى في الفكر والفلسفة؛ لأنهما جناحا النقد الأكثر ثقلا وقيمة وعمقا، وعبرهما يكون النقد قادرا على تخطي فكرة القراءة الخارجية، وملأ المساحات الفارغة في المؤسسات التي تنبثق منها. وطفرات الزمن والمعرفة تعدنا بذلك دائما.

تعليقات