التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 الكتابة عزاءت الروح القلقة..وموقف فكري من العالم

فاطمة الشيدي

22_12_2025


١.

منذ البدء وجدتني أتشافى بالكتابة، وجدتني أكتب لأنجو !!

أما اليوم بعد هذا العمر و١٢ كتاب، وأخرى قيد الطبع، وثالثة وكثيرة مبعثرة في الحاسوب والهاتف ومدونة طيبة، تقف أمام مرآتك الداخلية لتتساءل عن رحلتك الحقيقية في الحياة، أو رحلتك في اللغة قارئا وكاتبا، ولا فارق بينهما !

لا تدري ولاتتذكر  متى بدأت الشوكة تتسرب للروح تماما، وتستقر هناك لتطعنك كل مرة بمرارة وتأمرك أن تكتب فتكتب.


٢.

في البدء كانت الكتابة عزاء للروح "لا أكتب الأشعار إلا تداويا".. دواء للقلق للغربة وللرهافة وللروح المستنفرة من كل شيء من أشواك العالم وقنافذه وأبوابه ونوافذه ومن البشر والكدر .

ولإن الرحلة داخلية كان لابد من الشعر المسكّن العظيم والضمادة الكبرى للروح النازفة من كل شيء . 

في البدء كان الشعر أجمل وأعظم فكرة  تحاصر شيئا من الخراب الداخلي، وتحاول الإحاطة به، والقبض عليه عبر فنجان قهوة وتأملات جارحة.

في الشعر اخترت أن أحيّد الوزن فهو يربك اللغة، ويقيدها وأنا أعشق المعنى، أعشق اللغة حرة، لذا اخترت قصيدة النثر فهي تشبهني في الانفلات من كل عقال، وعبر خمس مجموعات والكثير من القصائد التي لم تنشر، وبعض الأمسيات الداخلية والمهرجانات العالمية اخترت أن أعري الشوكة وأجعلها تتحد مع العالم والألم والخوف "فالفرح ليس مهنتي".


٣.

في مرحلة لاحقة كان لابد من تفتيت الذاكرة لتجاوزها، ولابد من سردها كحالة مواجهة للخوف والألم، لابد من الكتابة عن الخارج بجماله وقبحه، ولأن نافذة السرد أوسع على الخارج، ونافذة الشعر منفتحة على الداخل أبدا، كان لابد من السرد، فكان النص ثم الرواية.

في السرد كتبت نصوصا تلضم الشعر للفكرة فتصبح رسائل ونصوص مسرحية وسرديات ذاتية نشرت عبرها كتابين والكثير من النصوص رهينة الأدراج أو نشرت في ملاحق ثقافية وتنتظر دورها لتتشكل كتبا.

حتى قررت يوما كتابة الرواية فجاءت حفلة الموت في ٢٠٠٩ مستلة من ذاكرة الخوف والحكايات الشعبية، من ذاكرة الطفولة المرتعبة بحكايات الموت والعنصرية وقهر النساء، من حكايات المغايبة والسحر، كان لابد أن أبدأ من هناك من ذلك الخوف القديم؛ من أسطورة فتاة نزوى "هذيك أمي وهذيك سلوتي، وذاك أبي دون الرجال بجانب" الحكاية التي أفزعت طفولتنا ونحن نستمع إليها بإلقاء شعري عماني مائز وموجع في نفس الوقت.

 لا أعلم الآن ماذا كنت أريد أن أقول فيها ولكنني فقط أريد للحكاية أن تبقى حين يغيب النقل الشفهي، وتصبح ذاكرة للموروث ومع ذلك حظيت بالنشر في دار من أفضل دور النشر العربية وبقراءات جميلة وكثيرة، ثم انتظرت ١٠ أعوام لتظهر الرواية الثانية للوجود، ومع أنها كانت شبه مكتملة قبل ذلك بكثير، ولكنه تردد الكاتب وخوفه إضافة للحياة التي يكون التفرغ للكتابة آخر منحها وامتيازاتها، فكانت في 2019 وكانت عن الخوف أيضا في الحرب وفي الدين وفي السياسة وعن الحب الذي لايكتمل غالبا ولا يتجلى إلا في الفقد. 


٤.

حين سمك الجلد قليلا بالعمر والتجارب والخيبات والانكسارات وأصبحت السلحفاة تنكمش داخل بيتها الحجري، وأصبحت تضحك إذ الأشواك تتكسر عليه، وتتأمل جنون العالم الخارجي برأسها الخفيف، وتغضب وتكتب ذلك الغضب؛ أصبحت الكتابة موقفا فكريا من العالم، العالم الذي كبر عن الروح والجسد وعن الذاكرة وكبرت مشكلاته داخلها فأصبح هو الجوع الذي يحاصر الأطفال، والعنف الذي يحاصر النساء، والقهر الذي يحاصر الإنسان.

أصبح العالم هو الشر والخراب الذي يحكم قبضته على كل شي في الحروب والمجاعات والكوارث، أصبح إشكاليات الوعي التي تكبر كل يوم، وأسئلة المعنى  التي تتدفق من الكتب ونشرات الأخبار وتتكثف في الداخل الموجوع به، أصبح الضمير الحي المحكوم بمبدأ الإيمان بالخير والعدل والمساواة؛ فكان لابد من توجيه أصابع الاتهام، وتوجيه نظرة الإعجاب لما يستحق.

وهناك أصبحت الكتابة صرخةَ رفض، وضرورة القبض على جمرة الوعي بقول (لا).

في النقد لي كتابان وهما عن أطروحتين، والكثير من المقالات والبحوث التي نشرت في مجلات علمية وثقافية وملاحق، مقالات في النقد الأدبي والاجتماعي تنطلق من مبدأ أن تعرية القبح والشر أول الطرق لمواجهته، وأيضا من مبدأ الإيمان برب العدالة والحب والخير والجمال؛ الجمال في كتاب وفيلم ولوحة ومعزوفة تعيد توازن الصورة المهتزة، ومن أصدقاء الوجود والعدم  من فنانين وشعراء نتشبث بهم عبر إعادة القراءة. مقالات تنتظر يدي المشدودة للتخوف من نشر الكتب_ لتحريرها من ربقة الحاسوب ومنحها أجنحة أن تكون في كتاب، ربما أصبحت اليوم  أملك بعض الوقت والقليل من الخوف لأرمم ثغراتها وأعيد نسجها وهو مشروع العمر القادم إن بعث فيه الرب البركة.


٥.

أخيرا .. هاجسي الأصيل أن أكتب عن صورة الإنسان من الداخل،  أحب نبش العمق، والغوص في النفس بكل تجلياتها من خوف وقلق وارتباك وحب وجمال وإبداع، وانعكاس الخارج من المجتمع والتاريخ داخل النفس الإنسانية.

أؤمن أن معمل الداخل النفسي هو الذي يصنع الخارج أكثر من كل شيء وإن كانت العلائقية التبادلية قائمة وحاضرة دوما.

السياسة تصنع الإنسان وهو يغير السياسة ويصنع التاريخ، والكاتب كلمة وأجمل كلمة هي (لا) كبيرة وواضحة في وجه كل مصادرة للحرية، ويمكن للا أن تكون جميلة لتصبح نصا خالدا متحدا بروح الفلسفة، فالأدب هو صوت الرفض والحرية، هو (لا) قوية وجميلة في نفس الوقت، (لا) داخلية تتحول مع الزمن لوعي جمعي وأسطورة تغيير جذرية تعيد صناعة الوعي، (لا) تمثل قضية وإنسانا ومجتمعا وتاريخا جمعيا اجتماعيا يسهم في التغيير بنعومة قاتلة ووعي جارف. وهذا هو الأدب كما أؤمن به وأحاول كتابته.

أقول أحاول (بخجل وخوف) متشبثة بشرف المحاولة في التغيير، في تجاوز ما كتبت سابقا، في تجاوز ذاتي ووعي لذات أعمق ووعي مستمر في النمو والعمق والتغيير، وأؤمن أن شرف المحاولة هو  القيمة الوحيدة التي أعتز بها وأسعى للتشبث بها ويعتز بها ويسعى كل كاتب وباحث ومبدع في أي مجال. 

والاتحاد مع قارئ سيختار ما أكتب أمام سيل الكتابات المتدفقة، فهذا ما يراهن عليه الكاتب!

قارئ يأتي إليك وأنت حي أو تحت التراب ليتوحد مع ما كتبت كأنك كتبته له هو تحديدا وفقط.

تعليقات