التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 رسالة قارئ

لبيد العامري

21_12_2025


كنت وما زلت من قرائك الشغوفين بكل ما تكتبين، لذلك كل كاتب أحبه أسعى لقراءة جميع أعماله.

ذات يوم كان كتابي هو مقالاتك ونصوصك واقتباساتك في مدونتك، كتاب واسع بالمعارف والرؤى الفكرية التي لا تخلو من زهور الإبداع وأعشاب الخلق، لم أنته منه حتى اللحظة.

وفي يوم آخر كنت مكبًا على قصائدك منذ البدايات مرورًا ب"كنت في البدء الشجرة" و"على الماء أكتب" أشعر أنني قرأت كل قصائدك أو أغلبها، وحين تعيدين نشر إحداها أكرر قراءتها وأكتشف الجديد مع نمو الوعي. 

أما دمدماتك فتذكرني بخواتيم أنسي الحاج، فيما كتاب "في نقد الأنساق الثقافية العربية" الذي حظيت به بتوقيعك، أنا الذي كنت متنكرًا  قصدًا بالكمامة، هو نوع من الخجل أمام الشخصيات التي كونتك وأثبتت ساقك، لكنك عرفتِني بسرعة وكم أسعدني ذلك.

هذا كله غير ذاكرة طفولتي التي أذكرك فيها ناصعة واسمك الذي يُذكر في البيت والصحف والمحافل، وأشياء كثيرة قد تحتاج إلى نص آخر.

وثمة ما هو، كما يقول المصريون "ف حتة بعيدة خالص" سأقوله الآن:

ما أود قوله هنا، هو عن شيء مهم، مهم جدا، لكن بالكاد يُذكر، حتى خشيت عليه من النسيان والجحود والطمر لولا قناعتي بأن الإبداع الحقيقي خالد. هي رواية "بحة الناي" التي لم تأخذ حقها من القراءة والنقد والضوء، هذه الرواية المختلفة والجسورة، أقول ذلك لأن كاتبها أكاديمي، لكنه في المقابل شاعر وروائي لا يرتاح للإطارات والجدران والأقفاص، بل لسماء الحرية وحدها كالطير تماما.

سعت الشيدي في هذه الرواية إلى ابتكار عوالم يألفها المثقف والمبدع في هذا الزمن المتشرذم الصعب، عالم الغربة الذي يحاول فيه الإنسان، ولو بصعوبة متناهية، العودة إلى أصله، إلى الحب منذ أسفاره الأولى، الجمال منذ جنة عدن، الشعر منذ الجاهلية، والفلسفة منذ الإغريق وبوذا، والموسيقى منذ بدء خلق الكون.

هذه الرواية الانسكلوبيدية، التي تمكنت فيها الشيدي بجدارة ونضج، دون أن تخرجك من الخط القصصي، وإن أخرجتك قليلا فما المانع! ففي الخروج سحر وخلق، وهناك شعر وموسيقى تنساب كما ينساب أنين الناي في الهواء المتخم بأدخنة زيوت مكررة.

هي رواية مهمة جدا في مسيرة السرد العماني، سرد يكتبه مثقف، عن عوالم صغيرة حافلة بالمعارف والفن والجمال، تقابلها قبضات مجتمعية ونزعات متوحشة استغلالية بلا أخلاق ولا ضمير وسط رأس مالية مقيتة، وعن حياة المثقف والمبدع بين هذا كله. 


تعليقات