فاطمة الشيدي
23_11_2025
رحلة الإنسان على هذا الكوكب رحلة مرهقة، رحلة تحفها التحديات، إنها حالة مقاومة دائمة لكل شيء بدءا من أبسط متطلبات الحياة كالأكل والشرب والسكن الذي يتطلب عملا دؤوبا، وقد يكون شاقا وقاتلا في بعض الأحيان، وليس نهاية بوحشة الروح التي تطلب مؤنسا وألفة، ويدا تمسك بيدك كلما تعاظمت انزلاقات الوجود حولك، وصدرا تضع رأسك عليه حين يتصاعد الألم أو الخوف أو الفراغ العدمي في روحك.
الرحلة شاقة ولاضمانات أنك سترتاح في زمن ما وأن الفرح قد يشرق داخلك في مرحلة ما من حياتك حتى لو وجدت كل ذلك.
إنها مراهنة على الأمل أو مقامرة به غير محسوبة العواقب.
فالإنسان ابن الصدفة العمياء؛ صدفة قدرية أن تكون في مكان ما، أو زمن ما، أو مع شخص ما.
هذا ماحدث مع روبرت غرينير الذي يعمل في قطع الأشجار وبناء السكك الحديدية في رحلته الوجودية الصعبة، رحلة في الزمن والفقد والصمت والتأملات الجارحة، رحلة في الصمت والخوف والحزن.
روبرت الطفل الذي لم يعرف والديه الحقيقيين، والذي مضت العقود الأولى من حياته ضائعا مجربا لا ينظر للحياة إلا بزاوية واحدة ولا يلتفت للجهة الأخرى، وحين وجد الحب فجأة تغيرت حياته تماما، أشرقت روحه بالحب والحبيبة والطفلة والأمان والسلام والدفء والبيت ورائحة الطعام وحنانات الحسد، وكان مستعدا أن يفعل أي شيء ليحافظ على كل ذلك الفرح والسلام الذي وجده أخيرا.
ولكنها الحياة تحدد لك مساراتك الوجودية، لم يجد عملا قريبا من بيته فاستمر في عمله بحثا عن لقمة العيش الصعبة لأنه لا خيارات أخرى متاحة، على أمل أن يترك العمل ويتفرغ لهما مع عمل أقل دخلا بعد المرة الأخيرة التي يتركهما فيها، ولكن القدر كان له رأي آخر، إذ يلتهمهما حريق بشع في الغابة، ويتركه يبحث عنهما ويتوهم وجودهما في صحوه ونومه وهذيانه المتبقي من عمره.
رحلة روبرت غرينير الهادئة والمسالمة في الزمن عبر ثمانين عاما كان الفرح فيها قليلا ومقتطعا من حياته، تحكي وتحاكي الحياة العادية البسيطة للبسطاء من الناس، لمقاومتهم بأجسادهم وأرواحهم من أجل فعل الحياة ذاته بلا أحلام كبيرة، ولا أمنيات مستحيلة، لأحزانهم غير المبررة، للفقد القاتل الذي يختصر الوجود تماما في ذلك الغياب إذا حدث بلا قدرة على منعه.
الفيلم التأملي الجارح الذي يحفر النفس الإنسانية من أعماقها ويعري أحزانها يقول الكثير من الفلسفة عن الطبيعة وانتقامها، عن كون الإنسان جزءا من الطبيعة فقط، وعليه احترام ذلك بالقدر الذي يسمح له بالعيش ضمنها وليس مسيطرا عليها، يقول الكثير عن تعالق الإنسان مع الزمن في رحلة قصيرة مهما امتدت، رحلة مرهقة مهما ظهرت فيها الراحة في مرحلة ما، رحلة وجودية قائمة على الصراع بين الإنسان ومصيرة، وبين الداخل والخارج، وبينه وبين الكون بكل تجلياته ومظاهره.
فيلم "أحلام القطار" (Train Dreams) 2025، مقتبس عن رواية قصيرة بنفس العنوان للكاتب " دينيس جونسون" مستوحاة من قصص حقيقية من عصر توسّع السكك الحديدية في أمريكا أوائل القرن العشرين.وتدور الأحداث في غابات بانهاندل في ولاية أيداهو عام 1917.
من إخراج كلينت بنتلي وبطولة جويل إدجيرتون وفيليسيتي جونز.

تعليقات