التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

سر اختفاء أسماء شعرية وأدبية عن الساحة الثقافية

د.فاطمة الشيدي

حوار شذى سالم


هل هو موت للكلمات أو انطفاء لروح الظهور؟

الكلمات لاتموت؛ الكلمات شعلة متجددة الضوء بل قد يحتاج المرء عمرا فوق عمره ليكتب؛ لذا أكثر الكلمات والأفكار  توجد في المقبرة كما أشار فيلسوف ذات يوم،  وكما أشار راهب لكزنتزاكيس في "تقرير إلى غريكو" بأنه يرغب في اقتراض عمر ليكتب الأفكار التي في رأسه. أما عن الشق الثاني، فهو ليس انطفاء بقدر ماهو زهد في الضوء وفي الحضور بين يديه، وفي التكالب على مساحاته المربكة والتي يهرع إليها الإنسان في البدايات لإثبات الذات، أما بعد زمن فيدرك أن العمق يكمن في الظل، في الصمت، وفي الهدوء. فالكتابة كما الحياة تمارين مستمرة للإصغاء والصمت، ولذا فهي تحتاج كل هذا الركون للبعيد، والنظر من الخلف للمشهد الذي لايبدو سليما أبدا.

 

هل الساحة الثقافية غير محفزة للظهور والمشاركة؟

هذا سؤال واسع، ماهي الساحة؟ هناك مساحات وفعاليات هنا وهناك نعم؛ ولكن عني أعتقد أن العمق متفاوت في تلك الفعاليات بل تكون قيمة في ذاتها، ولذا لاتوجد حالة ثقافية راسخة في المكان، وكأن الثقافة كفعل إنساني متجذر وذاهب في الارتقاء، وهادف للتغيير؛ غائب تقريبا عمّن يخططون لهذه الفعاليات.

وزادت كورونا الطين بله؛ فاحتجب الجميع خلف حيواتهم واعتادوا السكون في أطرهم الضيقة، وكانوا يحتاجون للكثير من المحفزات للمثول الواقعي والظهور مجددا في "الساحة!" وهو مالم يوجد إلا نادرا.  

كما أن الثقافة في بلداننا _كما نعلم جميعا_ثقافة مؤسسية ولذا فهي محكومة بإدارات هذه المؤسسات، ومدى انتباهها لأهمية الثقافة وعمق تأثيرها في الوعي الجمعي، وفي بناء الإنسان، ولضرورة تنوعها لجذب الجميع؛ فهذا ما يؤدي لصناعة مشهد ثقافي صحي متعدد وعميق.

بالطبع ثمة جهود تبذل، وكتب تنشر، وإبداع يظهر بين الفينة والأخرى، وهناك دراسات ومشاريع بحثية تتناول المنتج الإبداعي بشكل مستمر، وهناك أسماء رائعة صامدة ومنتجة رغم كل الإحباطات، ولكن أيضا هناك هشاشة فكرية، وأجندات مؤدلجة، ووجبات فكرية سريعة، وهناك نفي للبعض، وهناك مجموعات تصفق لبعضها، وأصدقاء يقدمون بعضهم، وهذا ليس سيئا في المطلق ولكنه مجحف في حق الأغلبية وطارد ومخيف لمن يحاول الدخول في هذا المعترك الفكري؛ فأن لايوجد حراك ثقافي حقيقي متنوع وعميق ومحب يتناول جميع ما يكتب، ويشجع على الإنتاج المعرفي الجاد عبر تقديم النموذج الداخلي والخارجي، وعبر قراءته ونقده وتحليله؛ لا توجد حالة (ساحة!) ثقافية طبيعية وبسيطة يعيشها ويتنفسها الجميع بحرية ومحبة.


هل الأمر متعلق بالجمهور؟

جمهور الثقافة هم المثقفون وقليل جدا من يأتي من خارج منطقة الثقافة لحضور فعالية ثقافية، وحين أقول ثقافة فأنا لا أقصد هنا الإبداع والمبدعين في الأدب فقط، بل كل مجال إنساني، وكل محب للثقافة ومتمتع بالوعي والحرية؛ لأنهما حقيقة المثقف؛ لذا فجمهور الثقافة غالبا من أصحاب والوعي والقرّاء، وبالتالي فغيابهم عن الفعاليات الثقافية يجب أن تنتبه له المؤسسة الثقافية لأنه يعنى ضعف هذه الفعاليات، أو عدم نضجها أو تحزبها؛ بحيث لا تخاطبهم ولاتضيف لهم جديدا. 

 

ألا يوجد تأثير لبرامج المسابقات، ومنافسات الملتقيات والمهرجانات على تحفيز الكتاب والشعراء للظهور؟

ربما تؤثر المسابقات في صناعة المشهد الجديد بعناصره الذاهبة في التجريب؛ ولكن لا أظنه يفرق مع أصحاب التجربة الأصيلة والراسخة، فأكثر ما يحتاجه هؤلاء هي الندوات والفعاليات العميقة التي تضيف لبنيانهم لبنة، ولمشاريعهم فكرة ولأجنحتهم تماس مع الأفق المتسع، يحتاجون شراكات كونية وأخوة في المنتج المتفرد، وضوء قادم من بعيد يشعل أرواحهم، ويوقظ بعض سباتهم، ويجلي بعض ماران  على مخيلاتهم بفعل الصمت والعزلة والأيدلوجيا والكثير من الهشاشة المنتشرة.

 

يشارك البعض في مسابقات أدبية.. يحصل على لقب ويختفي، هل كانت الجائزة هي الهدف وتحقق؟

الجائزة بشكل دقيق قيمة مستحقة للمبدع الحقيقي ترسّخ حضوره في الفعل الإبداعي،  وتهبه فرحا بإنجازه ومسئولية تدفعه للاستمرار؛ ولكنها فخ كبير للفارغين بحيث يعيش ضمنها أبدا، وتمنعه من الجديد.

 

هل تواجه الكاتب أو الشاعر عراقيل تسويقية تحول بينه وبين إصدار الكتب؟

اليوم لا يمكننا التسليم بذلك، خاصة مع وجود مواقع التواصل،  فهناك جمهور واسع باتساع البسيطة.

ولكنني _بكلاسيكية أعتز بها_  أعتقد أن التسويق ليس وظيفة المبدع _وإن كان المنتج الإبداعي الحقيقي يجيد تسويق ذاته_  وأن على المبدع أن يبقى بعيدا عن الاستعراض التسويقي المفبرك؛ وأن يكون بعيدا في رزانة الفعل إلا من قراءة أو كتابة؛ فالمبدع الحقيقي لايحتاج تقديم منتجه وفق آليات التسويق المجنونة المنتشرة في هذا العصر؛ فهو أكبر من ذلك، وعليه أن يصنع لنفسه قيمة فكرية ومعرفية عبر منتجه فقط؛ فهو من سيقدمه للجمهور بعيدا عن الارتباك الكوني في أشكاله الجديدة. كما أن شهرة المنتج الثقافي لا تمثل قيمته، وسعة انتشاره لايعني عمقه.


هل يكتفي الشعراء والأدباء اليوم بالكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون الارتباط بالحضور الفعلي في الساحة الثقافية؟

في جانب من الصورة نعم، وسائل التواصل تشكل اليوم محيطا حرا وواسعا يكفي_ أحيانا_ المبدع ويسعف مساحاته الخاصة وحضوره الكوني الذي يعطيه رد فعل جماهيري مباشر ومقنع إلى حد كبير إلا من فعل ثقافي حضوري مستحق يجبر الإنسان على ترك منطقته الخاصة للذهاب إليه، وملاحقته في الحيز الواقعي،  فكل ما يحتاجه المبدع من إبداعات وقراءات وحوارات ومعارف وصداقات إبداعية ومنتجات فكرية أصبح موجودا على مواقع التواصل بضغطة زر.

ومن جهة أخرى فإن مواقع التواصل فخ كوني كبير استلب حيواتنا بكل أشكالها المعرفية والإنسانية، وانحرف بالفعل الثقافي جهة الداخل لذا يظل ناقصا واحتياطيا ولايستطيع أن يحقق ما يقدمه فعل ثقافي جاد في أمسية واحدة؛ ومع ذلك يظل بديلا لا بأس به في حالة غياب الفعل الثقافي الحضوري المفترض والمرغوب وليس في ذلك أي انتقاص فالمبدع يسعى وراء الجاد والجديد الذي يوفر له القيمة والحرية معا وهذا ما قدمته مواقع التواصل في دورها الطاغي اليوم.

 

هل ظهور أسماء تحول دون ظهور أخرى؟ بمعنى هو سوء تقدير للشاعر أو الكاتب المتمكن؟

لا أبدا؛ الإبداع نهر متجدد بحيث "لايمكنك الاستحمام في ذات النهر مرتين" والمبدع الحقيقي يظهر ويتصاعد وينمو ليتشكل ظاهرة تستحق النظر إليها بإكبار ذات يوم، دون أن يؤثر ذلك على تجارب راسخة قبله أو يلغيها أو يخفيها، إنه الزمن؛ الذي يأتي بكامل استحقاقاته وبكامل عدته وعتاده وأبنائه كل مرة، فلكل عصر دولة ورجال ومبدعون. 

 

من هو المسؤول عن إعادة بعض الأسماء المتحققة لتستمر بالعطاء وإثراء الجمهور والساحة الثقافية؟

المؤسسة؛ الرسمية منها والأهلية؛ فبما أنها المحرك الأول وربما الأخير في بلداننا لذا عليها الاهتمام بالجميع وتقديم الدعم والحراك والتفعيل لكل الأشكال والاتجاهات والمدارس والمذاهب الفنية والأعمار والتجارب، وتقدير المنتج الثقافي بناء على القيمة والوفرة والعطاء في الزمن وليس بناء على مجاملات وتقديمات من البعض، ولا حسب الولاءات والتقاربات.

إن التحلي بالمسئولية والموضوعية لخدمة الثقافة ليس سهلا ومع ذلك فالتخلي عن ذلك يشكل ثغرة كبيرة في ثقافتنا وعلينا سدها بالمخلصين والموضوعيين في مواضع صنع القرار الثقافي.



تعليقات