تحقيق لضفة ثالثة العربي الجديد: قصيدة النثر والتحولات الجمالية
تحقيق ليندا نصار
8_6_2023
فاطمة الشيدي
قصيدة النثر منذ بداياتها شكلت منعطفا فكريا مائزا في الثقافة العربية؛ لأنها قامت على اقتناصات حرة لانفلاتات الفكرة الشاعرة بعيدا عن عقالات التروي والصنعة التي يحكمها الوزن والقافية، كما ضمنت حرية التحرك اللولوبي من الداخل للخارج والعكس محاورة في متنها هامش التاريخ والزمن والذاكرة في ثورة ضمنية وتضمين ثوري للوعي والفكرة والإنسان.
كما اشتغلت قصيدة النثر ومنذ بداياتها على لذة العبث وذلك بمزج اللغة بكل مكونات الوجود من فنجان القهوة حتى الدمع والجسد في مناورة فنية للكون من الروح تماما بلا مراهنات على شيء آخر كالمنابر والضوء والتصفيق، وبلا مقترحات جاهزة للفكرة والرسالة والتغيير؛ ولذا جاءت لتمثل الشعر بجوهره الأصيل الذي هو أقصى حالات التجلى الروحي في الكون ألما وعشقا، وأجمل بحث بأظافر الحرقة عن معنى جديد يضيف لبنة جديدة لمعاجم الدهشة وقواميس المعنى.
إن قصيدة النثر منذ البداية وحتى الراهن بكل انحرافاتها البلاغية، وكل تجلياتها الشعرية مثلت انقلابا تحوليا يعكس روح التسارع العصري، والنضج الفكري للإنسان الجديد والمتجدد في حيواته وثقافته ووعيه وأساليبه اللغوية، وحضوره المتغير في استيعاب ضمني لكل سقوطاته وتعالياته وأوجاعه وتحولاته الوجودية؛ لأنها جاءت مندفعة بقوة خارج رحم التأطير والمرجعية الفكرية الثابتة والسائدة والتي تمثلت في القصيدة العربية في شكلها المتوارث بحضوره الباهت، أما التراث العميق فقد تعالقت معه وتناصت، وصاحبته واتحدت به.
إن قصيدة النثر انبثقت من مُعاش متخيل أو متخيل معاش ذهبت باتجاه التفاصيل المكتنزة بالدهشة في احتواء مجنون للمتجدد على صعيد اللغة والصورة والأساليب والأفكار، وفي اقتراح ضمني لإعادة تشكيل فني بصري ومعرفي ووجودي جديد دائما؛ لذا فهي تمثل حالة فنية جديدة مع كل شاعر وقارئ، بل تعيد إنتاج نفسها كل قراءة، كما إنها خير مثال للكونية المتجددة القائمة على اللائنتماء واللاثبات الإبداعي كالمقاهي والمطارات في شكلها المادي متقاطعة مع أشكال إجناسية أخرى كالسيرة والمذكرات والرسائل واليوميات والنصوص العابرة للأجناس وغيرها، وكل هذا يحتاج الكثير من الرصد النقد والتحليل الرصين والذي يجب أن تعنى به الدراسات التي تمتح من معين الظواهر الفكرية الفارقة وتصب فيها قراءاتها الحيوية المتجددة.


تعليقات