فاطمة الشيدي
1_6_2024
تهرب كما الجميع لكنها تهرب للداخل، يغريها صوت العصافير بالصمت، يغريها الليل والطريق والبحر بأغنية شجت الذاكرة يوما، تتأمل الأشياء خارجها حتى لكأنها صديقة قديمة تتعرف من ملامحها على ندوب العمر وقهقة المسافات، تستوثق التفاصيل في علاقتها بالأشياء، بالبشر القليلين كأنهم القصائد العظيمة.
وجه أسمر جميل يجعلها تغيب في فتنة العبور، صحن أخضر يضحك لها قبل أن تضع فيه الخيار والزيتون يعتّق روحها في اللون كما تفعل السماء.
تدربت على الفقد كثيرا ومع ذلك ماتزال خائفة منه، تدربت على الصمت أكثر ومع ذلك تظل تطمح للكتابة الأجمل، تسرد التفاصيل الصغيرة في نص كبير لايبدو متماسك الأوصال، تضحك من النظام الذي تصنعه بهوسها الكبير وتحلم أن تسبح في بحر من الفوضى.
تناقش الأفكار الصغيرة لأن مناقشة الأفكار الكبيرة وهم، وتؤمن بفكرة "لا تصارع الخنازير" تبتسم بأسى كلما لامست آثارهم قريبة منها، لا بأس تقول وتهرب، فهي جاهزة للهروب، يقولون في مجتمعنا المسالم حتى الضجر "الشردة نص المرجلة" تقول هي كلها، فقد خبرت الصراعات كثيرا، في اللغة والأيدولوجيا والمكانة والمكان، خبرتها وأن لاشيء يتغير، ولا أحد يتغير مهما امتد الزمن وتغير الظرف، القلوب والشخصيات والعقول الجميع كما خرج من المصنع القديم، فرويد تناول الأمر من ناحية جنسية فقط؛ ولكن الأمر يحدث من جميع الجهات أيها الرجل، المصنع الداخلي (الاستعداد) يتعاضد مع المصنع الخارجي (التربية) فاختر من يملأ ثقوب روحك، اختر من تمشي معه الطريق نحو اللاشيء بعبثية ولذة، اختر أن تضحك لأن قلبك نقي ولاشيء مهم بعد ذلك، اقرأ القلوب كما الكتب تماما من سيميائياتها؛ غلافها وعنوانها وألوانها وعتباتها واختر دوائرك المضيئة ثم اذهب في الهروب الضمني والانفلات من ربقة القيد مهما بدا أنيقا ومغريا، اختر حروبك الخاصة وأحزانك النبيلة، واحتفي بجروحك البعيدة، وأوهامك الغضة، واشرب دمعك كل صباح في أغنية أو قصيدة، وقل لا بأس علي، لا بأس أيها العالم المثقل بالأصنام والأوهام والحروب العبثية، لا بأس أيها السارق الذي يبتلع الأحلام بنهم قاطع طريق لا بأس بالفؤوس والرؤوس والنتوءات والشوك، لا بأس بالعلل والأمراض والأوبئة والانتفاخات والأمراض، لا بأس فثمة جمال في الضفة الأخرى للروح ثمة كتاب جيد سيربت على وعيك الغريب، وأغنية يمكن أن تصعد على موسيقاها بخفة حين تخذلك الدروب، وكوب قهوة يجعل الأشياء خارجك تبدو صغيرة جدا كما ينبغي، وعناق يعيد توازن الخطوات المضطربة، وضحكة خضراء تقتلع شوكة غاصت لأعمق منطقة في الروح فبنى اللحم عليها لفرط القدم، ووطن يتسع كلما ضاقت الأوطان.
لا بأس أيها الفراغ العدمي الكبير فيمكن تأثيثك بالصمت والتأمل والقليل من الملح.
هكذا تمضي وتسرف في التأملات الحادة، هكذا تستعيد ذاتها في اللغة وهي لم تعد تنظر للخلف إلا بحنين مهما امتدت جروح الذاكرة.

تعليقات