التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا





موراكامي وأسئلة التأويل
 فاطمة الشيدي
15_6_2023

هل وظيفة الكاتب أن يكتب فقط دون أن يستحضر القارئ ورأيه لاحقا؟ هل التأويل منطقة القارئ الضرورية وعلى الكاتب أن يشعلها بالغموض والأسئلة وهو يبني نصه؟  هل الإعجاب بالنص حالة كلية أم أنه يمكن الإعجاب بتفاصيل العمل دون الإعجاب به بشكل نهائي؟ 
هكذا أفكر وأنا أمضي في قراءة موراكامي الكاتب الياباني الذي ملأ الأسماع وشغل الناس. وأظن الإجابة بنعم لكل هذه الأسئلة.
لقد أنهيت قبل فترة وجيزة رواية "نعاس" وهو العمل الثالث الذي أقرؤه للكاتب العالمي هاروكي موراكامي؛ الكاتب الذي أحب طريقته في الكتابة ولا أحب أعماله؛ سيبدو الأمر غريبا نوعا ما ولكن نعم هناك كاتب تحب أعماله بشكل كبير، وهناك كاتب تحب طريقته في الكتابة والأمر تحديدا ينطبق على الرواية ففي باقي الأجناس الأدبية لاتظهر فروقات بين ما يكتب الكاتب وكيف يكتب، ولكن في الرواية يبدو الأمر واضحا؛ فكثيرا ما تقرأ رواية وتستمتع بطريقة الكتابة ولغة الكاتب واسترساله في النص ولكنك حين تنهي العمل لاتجد للعمل بشكل عام روحا متجانسة أو حكاية منسجمة مع بنيتها الفنية بشخوصها وزمنها ومكانها وحبكتها ونهايتها وهذا تقريبا ماتجده في كل أعمال موراكامي؛ وكأن الكاتب يكتب لنفسه ليستمتع بما يكتب، دون أن يشتغل على رصانة الفكرة ووضوح خيوط الحكاية وتشابكها، إنه غالبا يسرد فكرة ويمضي معها دون أن يقرر ذلك أو يحكم القبضة على حكايتها بشكل فني دقيق، بل ويشاركه القارئ ذلك الأمر، إنه يستمتع بكيفية كتابة النص بلغته ومنحنياته وتعرجاته، ولكن لايخرج منه مبهورا أو منتشيا ليتذكره على الدوام بإعجاب وفتنة.
وفي رواية نعاس يتناول موراكامي حكاية امرأة تصاب بالأرق ويجافيها النوم لزمن طويل فتتحايل على الحالة بالقراءة والسباحة، امرأة عادية جدا ومتكررة جدا لولا الأرق الذي أصابها، فتبدأ في الحديث عن نفسها وزوجها وابنها وتفاصيل حياتها الدقيقة مع الأرق مع ارتداد زمني لحياتها قبله وتتخذ الليل حياة أكثر حيوية فتقرأ بنهم ومحبة، وتخرج للنزهة حتى يحذرها شرطي ذات يوم مما قد يحدث ويحكي لها عن جرائم تحدث بالليل،  ولكن رغبتها في الخروج تلح عليها؛ فتقرر أن تخرج مجددا مع التخفي في شكل رجل، وهناك تنتهي الرواية بحيث تقف بسيارتها فيهجم عليها شخصان أو شبحان فتحاول تحريك السيارة ولكنها لا تستطيع لأن السيارة تتوقف ولا تستجيب لرغبتها في مغادرة المكان، وتذهب كل محاولاتها عبثا، ويسقط المفتاح من خوفها وارتباكها، وهناك يصلب الكاتب القارئ والبطلة في نهاية مفتوحة خارج الأرق والنعاس معا، ربما ليفتحها على التأويل.
وهذا ماحدث في رواية "كافكا على الشاطئ" حيث النهاية بموت الرجل الخارق دون تبرير أو تسويغ لكل أحداث الرواية التي حركها، فبعد الإعجاب بلغة النص وفلسفته وفكرته الغرائبية إلى حد كبير تخرج من العمل مندهشا من كل ذلك الارتباك الذي تركك فيه وكأنك لم تفهم شيئا.
 وكذلك رواية "جنوب الحدود غرب الشمس" التي لايملك القارئ إلا أن يفتن ببطلها وبصوت الموسيقا الذي رافقت النص ولكن   النص لا يجعل القارئ قادرا على الإمساك بتلابيب العمل أو تذكره بفتنة على الدوام.

تعليقات