التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
العيد استعارة مكنية للفرح
فاطمة الشيدي
25_4_2023


لم تكن تحب الأعياد، وهي لاتحبها الآن؛ ولكنها أصبحت أكثر خفة فيما يتعلق بها، أكثر انسجاما مع نهاراتها المزدحمة وطعامها الوفير.

تدرك جيدا أن الأعياد فرحة مصطنعة بوافر الزينة؛ ولكن لم لا! وقد تصالحت مع الصباحات ومع الكلام أيضا؛ لم لا وقد توقفت منذ زمن عن الهروب نحو اللغة كلما أوجعها حزن يتربى في الداخل كشيطان يتحيّن الفرص للظهور من قمقمه اللعين والصراخ في نص مريض.

لم لا وقد أصبحت تبتسم في داخلها كلما تجلت شوكة الحزن، وتنظر للعالم الباهت من حولها بإعجاب ودهشة وهو يمرر كل شيء، وكل شيء بالنسبة له مصدر فرح وعزاء، الطعام والحب والزينة، الكل يهرب من نفسه للخارج.

لم عليها أن تجلس هناك على كرسي هزاز تحفر بأصابعها لذائذ الألم وتمسح على مصباحها القديم ليظهر المارد "شبيك لبيك".

تدرك الآن جيدا أن الفرح أكذوبة عذبة أصبحت تتعلمها بمهل، وأن العالم مليء بأساتذة الكذب؛ فكل ثوب جديدة هو كذبة، وكل ضحكة عالية هي كذبة، وكل طبق لذيذ هو كذبة، وكل كذبة هي هروب للأمام.

فتقول ولم لا!

والعالم ضيق بما يكفي لنبتسم في وجهه برحابة.

وأساتذة البؤس أكثر بشاعة من أساتذة الكذب.

وبينهما يقف الحب ليرسم تاريخه بيد مخضبة بالحناء

على ناصية الروح وفي ذاكرة الشريان المتغضن.

تقول لنفسها لا بأس؛ كوب قهوة يكفي كي نمشي للأمام، حضن أم تخرج من المستشفى ليلة العيد مرهقة يعين الروح كي تتشافى كلما أخذتها تأملات اللاجدوى.

ذكرى رحيل أب تتجدد كل رمضان قادرة على جعل معنى الحياة أكثر وضوحا.

ضحكة طفلة خضراء جدا على خلفية مواء قطة، الحلوى التي تهدم كل أنظمة الرجيم، الصمت الذي يوازي الألم والحب والحلوى والكلام.

الصمت الذي يبتلع أحزان الغرباء.

رائحة البلدة الممتزجة بين الشواء والحناء، اللهاث المتدثر بفكرة العطاء.

كل هذه الأشياء الصغيرة تعطي للحياة معنى وتجعل العيد استعارة مكنية للفرح.

تعليقات