فاطمة الشيدي
25_12_2022
"انصت إلي يا أونو، لم تعد اليابان دولة متخلفة يسكنها الفلاحون والقرويون نحن الآن أمة جبارة قديرة على مجاراة أية أمة غربية. إن اليابان تقف في نصف الكرة الأسيوي كالعملاق وسط المقعدين والأقزام. ومع ذلك ندع شعبنا يزداد يأسا على يأس وأطفالنا الصغار يموتون من سوء التغذية. وفي هذه الأثناء يتعاظم ثراء رجال الأعمال ولاينفك السياسيون يختلقون الأعذار الوهمية ويثرثرون في اللغو"
"انظر إلى هناك يا أونو ثمة المزيد والمزيد من مثل هذه الأماكن في مدينتنا. منذ سنتين أو ثلاث فحسب لم يكن هذا مكانا رثا لكنه تحول الآن إلى منطقة أكواخ. إن الناس تزداد فقرا يا أونو ويجبرون على هجرة منازلهم بالريف لينضموا إلى رفقائهم الذين يقاسون في مثل هذه المناطق.
_ باللبشاعة، هذا الحال يجعل الواحد راغبا في صنع شيء من أجلهم."
من زمن قررت أن أجعل قراءاتي في الرواية في البعيد زمانيا ومكانيا رغبة في فهم العالم وقراءة الإنسان.
وضمن هذا البعيد كانت قراءتي لرواية "فنان من العالم الطليق" للكاتب الياباني "كازو إشيجورا" الذي عرفتني عليه صدفة جائزة نوبل، فقبلها لم يصلني إبداعه كما لم يصل لمعظم القراء العرب لشح الترجمة له؛ ولكن بالطبع بعدها لايمكن تغافل ذلك؛ لأننا نصبح أمام كاتب عالمي من أساتذة الوجود الإنساني الذين يعلموننا دروسا عميقة في الحياة والكتابة معا.
والرواية من ترجمة هالة صلاح الدين وصادرة عن المركز القومي للترجمة.
الرواية تتناول حياة فنان كبير هو أونو ورحلته في الفن والحياة ومواقفه الوجودية من الفكرة والفن والإنسان خاصة في الحرب العالمية.
أحداث الرواية تتحرك في الفترة بين 1948_1950؛ حيث تغيرت قناعته للفن من فكرة الفن للفن بفكرة الالتزام التي تؤدي لخدمة الإنسان والوجود، وكيف أسهم لاحقا بشكل ما في صناعة الحدث الداخلي.
أونو الذي كان فنانا مترفا يرسم الجسد والطبيعة تغير ليقف مع الإنسان؛ حيث أسهم تعرفه على صديق ذي وعي اشتراكي لنمو الحس الإنساني والوطني لديه.
أما بعد الحرب وبعد موت زوجته وابنه في الحرب فقد تغيرت نظرته لكل شيء وأصبح هادئا حكيما لايعنيه سوى الحفاظ على ابنتيه وتزويج الثانية، ولكنه لم ينس ماضيه وموقفه في الحرب الذي أصبح يشعر بالخجل منه.
الرواية وعبر سرد بسيط ولغة قريبة من المتلقي العادي، وعبر شخصيات قليلة جدا، تؤكد على أنه لايوجد موقف صحيح دائما أو ثابت من أي فكرة؛ وأن كل موقف هو نتيجة ظرف أو ظروف محيطة تجعل الإنسان يعتقد لحظتها أن هذا ما يجب أن يفعله.
وأن الفنان أو المبدع بشكل عام يجب أن يكون على وعي ودراية إنسانية بكل ما يحيط به من ظرف إنساني وحالات وجودية ومن هناك فقط يجب أن تنبع مواقفه وينطلق إبداعه ليظل فخورا بما ينجز دائما.
"لا ريب أننا نحن أهل الفن قد نستأهل أحيانا سخرية أمثالك لكنك مخطئ للأسف في افتراضك أننا جميعا نرنو إلى العالم بعيون ساذجة"
ندت عن ماتسودا ضحكة:
ينبغي أن تتذكر يا أونو أنني قابلت الكثير من الفنانين، وأنتم على الجملة زمرة منحلة انحلالا مذهلا. إن درايتكم عن أحوال هذا العالم لاتزيد في الغالب عن دراية الطفل له"
"لكن أخبرني ياتارو ألا يساورك القلق أحيانا من أن نكون قد تسرعنا أكثر من اللازم قليلا في المشي في ركاب الأمريكيين"
*من الرواية

تعليقات