آمنت دائما أن الواقع هو أب المخيلة ومصدرها، هو تلك الحكايات الغريبة التي تغذيها والأحداث الجسيمة التي تحقنها بمصل الحكمة والرعب والألم والحب والفرح، وأن الخيال أقل من الواقع رعبا وقوة وجمالا أحيانا كثيرة، ولا دور للخيال وأشكاله الفنية سوى بلورة ذلك الواقع في شكل جديد أو زمن جديد أو مكان آخر؛ وكلما قرأت سيرة ذاتية أو شاهدتها عبر السينما تتأكد لي هذه الحقيقة.
الواقعية هي ثمرة حياة إنسانية على هذه الأرض، وكثيرا ما تستعاد وتستنسخ كما الأرواح التي عاشتها، والأهم أنها تلقننا الدروس العظيمة التي تتلو صلواتها على أرواحنا وأجسادنا لنتعلم أننا لسنا في معزل عن كل هذا، نعم كل موجود على هذه البسيطة هو عرضة لأن يكون في ذلك الحال والمقام، ويتمثل الوضع الأكثر مأساوية أو الأكثر غرابة وربما الأكثر حظا أحيانا.
جميعنا أبناء الصدفة القدرية، التي تحدد حيواتنا، وقد تغيرها فجأة في أي اتجاهات الحظ سلبا وإيجابا، كلنا متساوون في فرص النجاة والسعادة والشقاء والألم ولا يعرف أحدنا متى يتغير قدره من وإلى، فقط ما يفرق كيف يتعامل الإنسان مع قدره وماهي عدته لمواجهة هذا القدر أو ذاك، ومدى تقبله للعبة القدر التي كثيرا مالا تعبأ به وبممكناته وإمكانياته.
أفكر في كل هذا وأنا أشاهد فيلم THE SWIMMERS الذي يصف معاناة الإنسان أمام ظلم الإنسان، واستبداد الأنظمة الدكتاتورية وجشع الرأسمالية وتوحش الغابات الكونية.
الفيلم الذي ينقل معاناة عائلة سورية كانت تحيا في وضع آمن ومستقر وحالم بمستقبل عبر الأب الذي يقرر أن يعلّم بناته السباحة تحديا لقدر (وطغيان) حال بينه وبين حلمه الكبير في أن يصبح سباحا عالميا؛ ولكنها (أي العائلة) تذهب في أبشع حالات الخوف حيث تقرر الفتيات الهرب من الاستبداد والموت المرتقب نحو حلم الحرية والعدالة (أوروبا) كما يظن الجميع؛ فتواجه الموت وجها لوجه، وقد صبغه سماسرة الموت بلون الحلم وجملوه بشرائط السعادة وهم يقذفون البشر في محيطه تماما.
ولكن بفضل قدرة الفتاتين على السباحة ينجو القارب من الغرق بمن فيه من الهاربين من جحيم لجحيم فتبدأ معاناة اللجوء.
ويكمل لنا المخرج النهاية غير السعيدة تماما بكتابة أحداث مستقبلية عن العائلة.
الفيلم يضعك بشكل رائع أمام كل ما شاهدناه في نشرات الأخبار من غرق وموت؛ ولكن بشكل إنساني وصناعة فنية؛ فيتضاعف في روحك الإحساس بالأسى والألم كما يتضاعف إيمانك بالله وبالأمل رغم كل الموت والوجع الذي يشكل مادة الفيلم؛ وهذا هو دور الفن الفعلي؛ أن يجسد لك المعاناة بشكل يجعلك تلتذ بها وتستخلص الدروس، ويفتح لك نوافذ الحب والأمل لتتشارك مع الجميع ضوءها وهواءها، ولا يتركك وحيدا في مواجهة الخراب الكوني، ولهذا ننحاز للفن في قراءة الواقع لأنه واقع آخر أكثر رحبا وجمالا، ومهما اتسع الألم لا يضييق بنا الفن.

تعليقات