التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

في بلاد أليف شفق وأورهان باموق

 فاطمة الشيدي

23_7_2022


8 _7_2022

لم نكن نتخيل أن يصبح الجو في عمان رائعا في العيد ونحن نهرب من اضطهاد الجو وربكة الأعياد في عز القيظ ولكنه هكذا كان، ولم نكن نتخيل أن يصادف السفر ليلة العيد عندما حجزنا تذاكرنا قبل فترة طويلة منه ولكن هذا ماحدث، ولم أتخيل أن أصاب بنزلة برد قبيل السفر؛ ليكون السفر معجونا بالخوف والقلق ولكن هذا ما حدث.


أوزنجول 9.7_ 11.7

 لم نكن نتخيل مشقة الرحلة عندما حجزنا طيرانا داخليا من أسطنبول لطرابزون مباشرة فور وصولنا، ولكن الرحلة أصبحت مستمرة لليلة وأكثر من نصف يوم وبها من التعب ما يعجز عنه الجسد والروح معا.

 ولم نكن نتخيل مستوى البرد هناك ونحن نحجز فندقنا في الشمال في أوزنجول ولكن من يوم وصولنا وحتى مغادرتنا لم يتوقف المطر مما اضطرنا لشراء معاطف شتوية، ولم نتخيل أن الأكل التركي الذي نختاره في بلادنا للذته والذي جربته قبل أعوام قليلة فيها باستمتاع سيكون أقل لذة مما يتوقع المرء حتى ليحتار ماذا يأكل في بلاد تسبق لذة مأكولاتها سمعتها غالبا ولكن هذا ماحدث، ولم نتخيل أن طقس منطقة سلطان مراد الذي تخبر عنه النشرات الترويجية والمواقع بأنه من أجمل مواقع الشمال التركي _أكثر بردا وأشد غزارة في المطر من كل ماصادفنا قبله، وأن الضباب يحتضنها حتى لا يكاد السائح يرى شيئا؛ حتى شاهدنا ذلك بأم أعيننا.

ولم نتخيل أن تكون بحيرة أوزنجول وشوارعها ومقاهيها تجمع هذا العدد الهائل من العرب من مختلف الجنسيات من الخليج حتى الشام والعراق ومصر في زمن واحد، ولكن هذا ماكان  وقد شكل متعة إضافية للمكان الرائع. 

يخطط المرء لرحلاته من قلبه غالبا، وبما يريد أن يرى، ولكن ما يعيشه لاحقا يكون مختلفا غالبا وهنا تكمن الدهشة التي عليه تحمل لذتها الغرائبية؛ لنمضى من بلاد الشمش الحارقة لبلاد الماء الباردة، مسافة رجفة برد وبلل مطير، مسافة نهر وبحيرة، مسافة صمت وهدوء وعذوبة تشبه رشفة  فنجان قهوة على مقهى في شارع مزدحم بالأصوات العربية مختلفة اللهجات، مسافة أغنية عربية في فندق تركي لايفهم أغلبية سكانه معانيها، أو مسافة فرح طفلي يغمر المكان بشغابات الأطفال الذين يتناثرون كالمطر بلا توقف. مسافة حلم ساخر بأن يكون تموز أكثر بردا من كانون الثاني في مكانيين متباعدين؛ وهكذا كنا في أوزنجول نمضي مع الحلم والبرد بفرح لا شأنه له بالعيد الذي ترقص له القلوب في بلادنا.

طرابزون.12.7_15.7

"رحمة الله وتنمَل" هكذا تردد أمي هذا المثل العُماني المعروف بلهجتها الحلوة مع كل ملل وخاصة مع طول الصيف وحدة حرارة الشمس أو مع كثرة نزول المطر في الشتاء، ولذا وجدتني أكررها أيضا في أوزنجول الوادي الرهيب في الشمال التركي؛ بروعته واخضرارة وطبعا ببرودته واستمرار أوقاته المطيرة.

ولايمكن لزائر أوزنجول التي تقع في حضن نهرها وبحيرتها الشهيرة إلا أن يقع في غرامها ويخطط للعودة لاحتساء فنجان قهوة على ضفافها مرات ومرات، ولكن ليوم أو يومين فقط، فهي حالة لذيذة ولاذعة بعذوبتها لا تستطيعها أكثر من وقت قصير.

إنها تماما كرعشة بدايات الحب التي ما أن تتعمق حتى تفقد دهشتها وتعود عادية، ومع ذلك تتوق لوخز الشعور الفارق في تلك البدايات المدهشة دائما؛ ولذا هربنا منها بعد ثلاثة أيام من البرد والمطر والضجيج والزحام والأطفال والمقاهى مع الكثير من الإعجاب بالمكان السياحي الذي لم تُترك فيه مساحة إلا واستغلت لجذب الزوار وراحتهم؛ لنذهب لطرابزون المدينة حيث الطقس المعتدل والرائع بالنسبة لشهر تموز، ولنتجه مباشرة للميدان الذي يعج بالبشر والمقاهي والمحلات وجو المدينة بساحاته وفضاءاته العامة وتنوعه المدهش الذي نفتقد في بلادنا والذي غالبا نسافر بحثا عنه، وعن الحرية الخاصة والضياع فيه والتماهى مع طقوسه.

ثلاث أيام نضيع فيها في الزحام وفي الشوراع الواسعة ونعيش جمالية الاختلاف بدءا من الملابس حتى صلاة الجمعة التي تقام في الميدان بين الباعة والسياح بلا إغلاقات أو إجبار أو تكفير بل يستمع للخطبة كل عابر وزائر ومصلي وصاحب محل، الخطبة التي تبدأ باللغة التركية ثم تتحول للعربية في روحانية مدهشة وإكبار لهذا التنوع الذي يليق بحضارة عظيمة.

٣.

اسطنبول 16.7_21.7

نصل لاسطنبول عبر الطائرة؛ لنجد الجمال ممتزجا بشكل مدهش يليق بها وبتاريخها؛ بين الشرق والغرب والقديم والجديد واللغات والأديان والأعراق والسحنات، تجد نفسك في زمن مختلف عن زمنك ومكان لايشبه أي مكان آخر؛ فالمدن القديمة ابنة التاريخ تحيا في حضرته، حيث تجد الزمن يلوّح لك بهدوء بين يديها كعجوز حكيم، والطرقات والأرصفة شاهدة عبور للبشر على الأرض، والأبنية والبيوت متعبة من حمل ضحكات ودموع أجيال مستمرة والهواء ثقيل بأنفاس البشر المختلفين باختلاف الأزمان.

المدن القديمة ذاكرة مزدحمة بتفاصيل الروائح والأصوات وضحكة ساخرة من المدن الجديدة كفتيات مغرورات لم تعِ بعد حكمة الزمن.

المدن القديمة أمات حانيات على الأبناء والغرباء الذين يأتون إليها بحثا عن الحرية والتماهي في الفضاء العام؛ في الميادين والأرصفة، والأحلام المعبأة في أوردة التاريخ، وزجاجات الرسائل القديمة التي عبرت البحار لتبحث عن عشاقها.

المدن القديمة صديقة للتنوع والاختلاف، للوجوه المتباينة الملامح وللإنسان الراغب في الضياع، في التلاشي بين الأضداد، صديقة الزحام والغياب والحزن المتعثّر في مشيته، صديقة البشر الأصحاء منهم والعجزة، والكبار والصغار،  والحيوانات الأليفة كالكلاب والقطط والحمائم الطيبة، صديقة العاملين والسائحين، عشاق المشي وعشاق التسوق.

في المدن القديمة الناس أسوياء طيبون يبتسمون ويحبون الجميع ويخصون الأطفال بالمحبة، ولاوجود للأمراض والعاهات التي تمشي على قدمين وإن وجدت فهناك طرق للعلاج، في المدن القديمة لامجال للرفاهية الكاذبة، فالكل يعمل الصغار والكبار، الكل يلهث ويركض، الكل مشغول بذاته بلقمة عيشه بأسرته، بحاله واحتياله، ولذا فلامجال للاهتمام بالآخرين، بمراقبتهم ونقدهم، لامجال للموعظة التافهة والحكمة التي يظن كل شخص أنه يملكها، ولامجال لتتبع عورات الآخرين، ومحاكمتهم على مايلبسون وما يأكلون.

أما اسطنبول أو تركيا بشكل عام فهي أكثر من كل ذلك هي دفء الشرق ووعي الغرب، وهي روح الإسلام وخلاصة حضارته، وهي مدنية العصر وثقافته، فهي قد أخذت من الشرق والغرب أجمل مافي كل منهما، ونبذت أسوأ ما في كل منهما كالكذب والاحتيال في الشرق والتفسخ والانحلال في الغرب. لذا إذا كان هناك نموذج عصري يمكن أن يصلح لبلداننا في كل شيء من السياسة حتى السياحة فهي تركيا بقوتها وحضارتها وجمال إنسانها.




تعليقات