التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

محاولة فهم للحياة داخل /خارج مواقع التواصل

فاطمة الشيدي

7_7_2022

أتأمل مواقع التواصل الاجتماعي وحمى الدعائية الحميمة التي تتلبسنا جميعا. الجميع ينشر منجزاته؛ حوار، كتاب، نص، مقال الجميع يرفع يده في حصة الفصل الكوني أنا حاضر، أنا موجود، يثبت حضوره في دفتر الحياة الكوني، يضع أصبعه في بصمة الحضور الخائف، يرفع صوته في وجه الموت، وربما سبابته أو يخرج لسانه أنا هنا أنا حاضر.

الكل يضع إنجازاته في وجهه "هل تراني أنا هنا رغم أنك تحيط بي وربما تترصدني"، صورهم، صور أطفالهم، طبخ، موسيقا، فن، كتب كل شيء في كل شيء لمواجهة الموت أو لترصد الحياة عبر العلاقات أو المال بالبحث عن يد الحياة التي تأخذه نحوها حيث السعادة متمثلة في المال والحب والصداقة والاهتمام.

ومواقع التواصل تعززهذه الفتنة النائمة، وتوقظها وتدللها، أنت تكتب "بوستا" إذن أنت موجود!

فيؤخذ الجميع بفتنتها؛ الكاتب الظلي الذي كان مغمورا أصبح ينافس على البريق، فهو بدوره يرحث عن جمهور القراء، والقارئ الذي كان يبحث عن الكاتب والكتاب أصبح أيضا يبحث عن سطوع؛ حيث يقول للجميع أنا هنا أنا قرأت كذا وكذا، يقدم ذلك ضمن  المعنى الإيجابي للفعل وضمن غاية نشر عدوى المحبة والجمال والوعي ، لكنه يقوّض فكرة العمق القرائي والعزلة التي تفرضها القراءة كأهم نواتجها.

لقد تواطئ الجمهور مع الفكرة، فلا أحد يبحث عن كتاب إلا إذا قدم كسلعة كخدمة، فالجميع يُبحث عن القارئ الذي يقدم مقترحاته ليقرأ ضمن أمان الاختيار، الكاتب أيضا دخل في لعبة التسويق فأصبح يبحث عمن ينشر صورة لكتابة ل"يشيّرها" في صفحته، ويتفاخر بعدد قرائه ضمت غاية بث عدوى الفتنة، والتشجيع على القراءة، وهناك دعاية ضمنية له؛  ليتكاثر قراؤه، وليشعر هو بالرضا ويواصل الكتابة، ويواصل مواجهة الموت بما يملك.

القارئ بدوره يبحث عن صوت قارئ آخر يعينه على اختيار كتاب ما، يستعين بما كتب حول الكتب من مراجعات مكتوبة أو مرئية عبر اليوتيوب، وربما يكتفي بذلك يكتفي بقشور الثمرة دوم أن يتذوق ثمرتها بنفسه، كما قد يكتفي بصورة الكتاب في مقهى مع كوب قهوة، أو بالقرب من البحر أو مع أثاث بيته.

إنه زمن الوفرة الذي نحياه في كل شيء من السلع حتى الكتابة، لم يعد أحد يحفل بالكتاب والكاتب، بل أصبح البحث عن القارئ وغلاف الكتاب هو الأهم! 

هذا ليس نقدا بالطبع لأن هذا حال الجميع؛ إنه فقط وصف للحال من جميع الزوايا مع محاولة فهم سابرة للحال.

لقد أصبح حضورنا على مواقع التواصل الاجتماعي يشكّل وفرة لا تحتمل من كل شيء بما في ذلك عدد الأصدقاء، وبالتأكيد ضمن فكرة في مجملها إنسانية تعنى بالتواصل ولاتصال؛ ولكنها فعليا تحمل حالة إعلانية عن منتج ما؛ ثقافي أو شخصي، فكل منا يعنى بمشاركة المنجز الذاتي أو المنجز العام أو حتى حالة الوجع والفقد الذي تعنيه مع الجميع، فالكل يعلن عن لحظاته وأفكاره وكتبه ونصوصه ولوحاته وفقده وفرحه فيما يوميات سيرية يتنافس الجميع في صناعة دهشتها وتنافسيتها وفرادتها بشكل جديد كل لحظة.

السؤال الذاهل هنا؛ هل نحتاج فعلا لهذا الحضور الواسع والمتعدد؟ وهل نستطيع أن نتابع كل هذا الكم من المعرفة والأخبار، والفنون والعلاقات!!

أفكر في ذلك وأنا أنسحب تدريجيا نحو الحياة والعمل والصمت والتأمل والقراءة في الكتب أو مشاهدة الأفلام ومواد اليوتيوب القيمة وأطل بين الفينة والأخرى لأتأمل العالم في مراياي وأتمألني في ضوء مراياهم.

أو بمعنى أدق وأنا أسحبني من هناك بقوة وعسر لأنني مثل الجميع متعلقة ومتعالقة بشيء ما هناك؛ أحاول أن أعود لذاتي الغريبة البعيدة، أنا ابنة القرية القابعة في أحضان البحر، ابنة أزمنة العتمة الرائعة والقلب الهادئ، حيث لا شأن لنا بأحد خارج العائلة والمعارف والأصدقاء، وهكذا ليس على أحدنا الآن أن يعرف آلاف الأشخاص وأن يجاملهم ويعزيهم في موتاهم ويفرح لفرحهم ويبارك مناسباتهم الطيبة.

 لقد كان لكل منا محيط كخصر فتاة في الرابعة عشر، ضيق إلا من أسماء الكتب والكتاب والشعراء والمغنين العظام المجردة من الدم واللحم؛ هؤلاء أصدقاء الورق والموسيقا واللون فقط، الذين نحب ونكره أعمالهم ولا شأن لنا بحيواتهم الخاصة وأزمنتهم القريبة.

ندرك جميعا أن كل شاعر هو قصيدته، وكل كاتب هو فكره؛ وأن ذلك فقط مايعنينا؛ ومع أننا ندرك أنه من لحم ودم ومشاعر وجمال وقبح ولكن هذا الأمر لا يعني المتلقي الواعي.

وأن على الحياة أن تكون أوسع من وسائل التواصل وأجمل منها، وعلينا أن نعتني بتلك الحياة بأن ننام جيدا دون أن نحرص على مشاهدة كل هذه المواقع قبل النوم، وأن نستيقظ لنهتم بأوقاتنا وأجسادنا ووعينا وعائلاتنا، وأن نخطط ليومنا، وأن ننجز أهدافنا في عمرنا الآدمي القصير بعيدا عنها.

وربما من الجيد أن نقرأ عليها نصا جيدا هنا أو هناك ونستمتع به دون أن نزعم أنه لصديق فهو لكاتب فقط، وأن نشاهد لوحة أو فيلما أو نعرف طبخة رائعة دون أن نتعلق بالمكان تعلق الطفل بأمه، ودون أن نقيّم الجمال بكم اللايكات لأن الجمال في عين الرائي والرائي هو متلقي متعدد الأذواق ومختلف الرؤى.


تعليقات