فاطمة الشيدي
25_7_ 2022
صباح الخير يا أمي؛ وأنت ترقدين في مكان بعيدا عن بيتك؛ الذي هو الجنة بالنسبة لك ولايعدله شيء من بيوت الآخرين أوحتى قصورهم.
صباح الحب الذي يشع من قلبك ونحن نهرع إليك جميعا، نحن أبناءك الكثر، قبيلتك وجماعتك وأصدقائك وأحبابك.
ولكأن المرض أستمهلك حتى أعود لروحك، واستمهل قلبي الفراغ حتى امتلئ بك ؛ إذ أعود من اخضرار أمكنة أخرى إلى نور قلبك، عدت لأمسك بيديك وأخوتي وأنت تخوضين أصعب تجربة في مرضك الطويل الذي أنبتناه نحن والزمن.
يا أم العشرة أطفال؛ لم يعد جسدك يحتمل آثامنا في حقك فكان لابد من غسيل، تورمت كليتاك بسموم أوجاعنا وأوهامنا؛ فوهنت وأصبحت تحتاج لتصفيتها بالكثير من العناية والحب.
آه يا أم الطيبة والخير والجمال؛ لقد آزرك المطر فقرر أن يغسل قذارات العالم وأوجاعه أيضا، وقرر أن يمنحني أنا القادمة للتو من تركيا الباردة مساحات عذبة من البرد والمطر، إنها عدالة رب المطر أن يمنح من لايقوى جسده وجيبه على السفر حتى للجنوب الحبيب بعض الجمال، وأن يرفع عنهم بعض العناء وشدة الحر.
أحبك يا أمي وأدرك معنى الأم كحالة إنسانية رفيعة للعطاء، وللخير والتعب والمحبة، الأم التي تعطي من جسدها وقلبها كل ما تستطيع، تعطي العمر كاملا ولاتريد أكثر من أن يكون الأبناء بخير وسعادة حتى تكون هي بسعادة، لاتريد أكثر من حضن يمثل امتنانا وسؤالا عن أحوالها بين فينة وأخرى.
الأمومة معجزة الرب الكبرى التي توازي خلق الكون، ذلك الإحساس العظيم، ذلك الخوف والحب والاهتمام اللامحدود الذي يقصي الأنانية البشرية جانبا؛ فكيف يمكن تصور العالم بلا أمهات! وكيف يمكن أن يعيش الإنسان بلا أم تحميه وتعطيه حتى يكون قادرا على ذلك، هو الذي لن يكون في حضرتها أبدا إلا ذلك الصغير المحتاج.
آه يا أم ها أنا معك كل يوم أحاول أن أحرسك من المرض، أو أحمله معك قليلا عبر لطف وحوار أو حتى وجود صامت، أتأمل فيه أوجاع العالم في مكان يجب أن يذهب إليه كل راغب في التأمل والتفكير أو حتى كل عابد ومصلي، المستشفى حيث أوجاع الجسد؛ المكان الأهم للتأمل والتفكر في وجع الإنسان، الآهات التي تشق القلوب ولا مجال لردئها ومساعدة أصحابها، الأجساد الوهنة، والذاكرات الخربة، والألام المستعصية والموت المشتهى أحيانا كثيرة.
أما أمراض النفوس فهي ليست بعيدة عن كل ذلك؛ فهناك القبح والشر دائما، وهناك الظلم الذي فطر عليه الإنسان كالخير تماما.
آه يا أم في كل مكان يوجعني الشر، يوجعني ظلم البشر ، فالطفلة الصغيرة التي بلا أم تعبر الممرات حائرة وتمسك في الأيدي بغية يد تسندها وتقبض على قلبها ؛جرحت روحي ولكن لاحيلة للإنسان غالبا إلا الألم وبعض الدمع.
أما مؤسساتنا الصحية المريضة فهي أمر آخر يستفزك ببطئه وقلة خدماته وبرود إنسانه أمام معاناة الإنسان، مؤسساتنا التي بلا مراقبة وبلا تجديد، نحن بلدان النفط المريضة به، النفط الذي خلق منا شعوبا اتكالية مريضة بالعقم عن الانتاج، والتخلي عن العمل، والرغبة في الراحة والدعة، إن إنساننا مريض مثل مؤسساتنا بعدم الاكتراث وقلة الاهتمام والله المستعان.
أحبك يا أم بقدر خوفي وقلقي عليك وتفكيري بك ، وبقدر كل السخط الذي أعبر به هذا العالم الذي يحتاج لنفضة من يد القاهر الجبار فقط.
فكوني بخير فقط ليطمئن قلبي؛ وسيكون كل شيء بعد ذلك تفاصيل لا شأن لقلبي بها.
تعليقات