استطلاع رأي
10_9_2021
لقد طلب مني في فكرة مجنونة أن أتخيل تاريخا مغايرا لحادثة تاريخية عظيمة، ولم أجد أفضل من ثورات الربيع العربي التي آمنت بها وصليت أن تنتصر؛ ليكون ٢٠١١ بداية لعالم عربي جديد.
"صفحة من كتاب تاريخ متخيل"
فاطمة الشيدي
صفحة من كتاب "تاريخ متخيل"
فاطمة الشيدي
أخط لك أيها القارئ النديم، والصديق العظيم، صفحة من زمن قديم، في عالم سقيم عشت فيه في منطقة حارة لا إشراق فيها ولا نضارة، ولافرح ولاحبور وقد يأتي إلى الإنسان ويعيش دهرا ويذهب بلا لحظة سرور وتسمى عالم العرب، ويكثر فيها الجهل والطرب والفقر والعطب، وكانت منطقة تمور بالأحداث الجسام والظلم السخام، وكان الإنسان ينام مقهورا مدحورا ويستيقظ مكسورا مقرورا ويمسب مغلوبا على أمره؛ يحاصره قهره، ويكسره صبره. وهو يمضي بين جهل ضرير وفقر مرير.
وفي عام الله 2011 _يارعاك الله _قامت ثورات شعبية جبارة من شعوب بالخير أمارة، وكانوا يسمونها_ياحفظك الله_ أيضا (الشرق الأوسط)؛ وهو اسم لعمري مسيس، بالخضوع مؤسس، وبالظلم مدنس. أطلقه لجهته بهم الغرب وارتضاه لقلة الحيلة العرب.
وفي ذلك العام المذكور، الذي حفل بالموت والشرور خرجت الشعوب العربية إلى الميادين
عن بكرة أبيها، ورفعت بالمطالب أياديها ووقفت وقفة شموخ، منددة بالذل والرضوخ، ومطالبة بإسقاط حكامها، وتغيير نظامها، وظلت تلك الشعوب الثائرة في الميادين، أياما وشهورا وبعض سنين لا ترجع عن مطالبها ولا تلين. يقضى الليل والنهار، وتفتعل الصراخ والشجار، وتطلب العدالة والحرية للأحرار.
وعرف الجميع أن لا مجال للصلح وإحكام الزمام فسقطوا كالجراد الحكام الظلام وعمت العدالو وتحققت الأحلام.
وانتصرت الشعوب من المحيط للخليج؛ وعمت الفرح وتناثر الأريج، لتذهب بعالمها نحو التغيير والحرية وتصبح الأنظمة حالة من القانون والديموقراطية، وحققت شعارات الشارع الكبير "عدالة /مساواة/وحرية".
وفرحت تلك الشعوب التي ازدراها الغرب، وكثر في ربوع أرضها الوجع والكرب، وحاك العالم مؤمراته لأكل خيراتها ونهب ثرواتها، واحتكرها في خانة الجهل، وسلّط عليها سلطات تقمعها وتسلبها الفرح والأمل؛ لكنها كانت تنمو في الظل لتنفجر في ضوء العالم بقوة وجرأة وعمل.
تلك الشعوب التي زمنا طويلا أرهقها الفقر والجهل؛ فصنعت من الوعي الحدث الجلل، وخرجت من صمتها وقهرها بقوة الإيمان والعدل، وآمنت بالحلم وتلبسته بلا كلل وحققته في ثوراتها العظيمة التي بدأت في تونس وأشعلت الشارع العربي في كل مكان بعد ذلك مهما طال الزمن بلا ملل.
لقد انتصرت الشعوب بقوة وبسالة، وجعلت العودة للذل محالة، لتسطّر تاريخ النصر لثورات القهر، ثورات الجياع والسجون والكدر كتاريخ جديدا تحققه كأنها ترمي بشرر.
وهكذا _يا أسعدك الله_ تغير العالم العربي تغيرا كبيرا، وعم الخير وفيرا، وقيل أنه منذ عام 2011 صار المكان عظيما، والإنسان كريما، وأصبح الثورة شرفا مقيما من تونس إلى مصر وليبيا وسوريا واليمن العظيما، وخليج الذهب الأسود الذي يحتكره البعض فيما يعيش الأغلبية بلا سؤدد جوعا وإرهاقا لا سقف ولا مرقد، وأخذ الشارع العربي يتغير رويدا رويدا، ويتحرك نحو الديمقراطية والحرية والعدالة ولمجده القديم مجددا معيدا.
ليمحو كل ما كان من ظلم وظلام، وجهل ورغام، وفقر وسخام، ومحسوبيات ورشوات، وفوقيات ومكابدات، وتلاعب بالقانون يحركه الظالمون الذين بالمال الممتلئون، وبالبلد يتحكمون ومن كل شيء يغنمون.
وهكذا قلبت الثورات الطاولات التي كانت تحاك تحتها المؤامرات، وألغت السلالم التي كان يرقص فوقها بعض الأوباش من الأوادم للوصول لما يريد من ظلم قادم.
ومنذ لحظة النصر، عم الفرح، وذهب الترح، وتحققت الغايات، وتلاشى عبث السلطات، وانتصر الشعب في الميزان، وتغير وجه الزمان، وجوهر الإنسان الذى تجلى نقيا أصيلا لا كذب ولادجل ولاجهل ولا شعوذة بل بر وإحسان، وعم العدل فلا ناس يحركهم دين الكبار الذي يستخدم لظلم الصغار، وأصبح الدين لله فقط، وهو أدرى بالناس وحاجاتهم بلا وساطة ولا معيار، وهو القادر على محاسبتهم بلا شك ولاغبار ، في حين ساد القانون في الزمان والمكان، وتساوى أمامه الغني والفقير برحمة المنّان، والضعيف والقوي كأنه خط بالبنان.
وأصبحت العدالة مجراه الأوحد، ووجهه الأمجد، وغايته القصوى، ودرجته الأعلى.
وعمت البلاد العربية انتخابات نزيهة نقية، وتم اختيار الأفضل لتسيير أحوال البلاد، وتسيير أمور العباد.
وهناك تجلى وعي الشعوب الذي راهن عليه أصحاب الوعي
والمثقفون، وظن بعض الجهلة عكس ذلك فانقلبت عليهم الظنون.
ففاضت البرلمانات بأهل العلم والمعرفة، في حين انحسر المؤدلجون نحو زواياهم المعتمة، وأصبحت المعرفة شرفا، والعلم سيدا ومن الحياة موقفا. ففتحت مراكز الأبحاث، وازدهرت الجامعات بالعقول الحية كالنثاث، وحقق العلماء إنجازاتهم الرفيعة، وارتفع شأن الأوطان بعد حالتها الوضيعة، وعاش المواطن بكل فخر وحرية واقتدار.
وأصبح الإنسان محور الوطن وغايته كالمدار، وأضحت السلطة في خدمة الشعب، والمحاسبة كشعلة اللهب تشمل الكبير قبل الصغير، والنبيل قبل الحقير ، فلا سقف، ولا فوقية ولا طبقات ولا طبقية في العالم الجديد بحلته البهية.
هكذا يا_ حفظك الله_ تم التغيير، وتقدم العالم العربي في الوجود والمصير، وانتصرت الثورات وطويت الصفحات من تاريخ المكان الذي أفسده الظلم والجهل والفقر، وبدأ تاريخ جديد من العلم والفن والنصر، وصنع تاريخ يوصل اليوم بالمجد القديم، والعدل العظيم في حضارة العرب، ويأخذ بأيديهم نحو عصر العلم لتتصل بحضارة الغرب.
وتجعل من الحرية قيمة عليا ومن الإنسان محورا عاليا.
هذا يارعاك الله ما وصلني فخططته، وما حلمت به فسطرته، وما بعد عليك فأدنيته، واغفر لي ما جهلته، أو تورعت عن ذكره فموحته.
فني الحلم والأمل ومنك الجود والفضل، ولك الشكر، فقد دفعني حرصك لخط تاريخ الزمن ولتدوين محاسن النعم ومصائد ال ومسارب فضائل الأثر ومكامن العبر .

تعليقات