التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي

20_6_2022


 ندرك متأخرا أن الحياة رحلة شاقة وليس لنا فيها إلا لذة العبور وشرف المحاولة، ولذا علينا أن نحاولها كثيرا، نغير طرقنا للوصول أحيانا، ونغير مطايانا وسرجنا أحيانا أخرى، نقرأ الأفق ونستنطق النجوم، ونتأمل المسافة، ونحث الخطى، ونؤاخي الضوء ونستمهل الحلكة ونحاول أن نشعل سرجنا ومصابيحنا لننيرها من الخارج، وأحيانا يستطيع البعض منا أن ينيرها من الداخل حيث النور الحقيقي.

نسير هكذا فقط، لاخيارات أخرى؛ نطلق لأقدامنا العنان كما نطلقها لأفكارنا، نحررها من ربقة القيد وعناء التحديد.

الحياة رحلة مضنية مليئة بالتعب والكرب عبر ظرف الإنسان، وأزمة وجوده الوجودية، وعبر تقاطعات الحياة مع البشر الذين هم أكثر إرهاقا للروح أحيانا وأحيانا أخرى هم أنس المسير.

 ثمة تعب في كل مانعمل لكنه أحيانا يكونا لذيذا، لذة العرق هي لذة النجاة، ولذة العبور هي لذة الوصول. نعبر لأن ثمة رسالات كثيرة يحملها المرء على كاهله؛ليجعل لعبوره معنى؛ يحب، ويعطي ويغني أحيانا؛ يلتذ بما يفعل، وكثيرا يقف ليتأمل المسافة الساقطة من حساباته ويرقي المسافة المرتهنة للغيب، وكثيرا يشد قبضته على الأمل، ويرخيها عند الخسارة، ويحسب سقطاته كلما ألهبته الريح أو أرقته الهزائم.

مع العمر تدرك حقائق الوجود الكبيرة، وتدرك أنك لاتملك إلا نفسك فقط، وأنه ليس القطيعة بل التفهم، تتعامل بهدوء مع طاقات الشر والكراهية والبغض، وبمحبة مع طاقات الخير والجمال.

 أنت بخير كلما كان قلبك بخير والآخر يظل مهما كان قربه منك ابنا أو أخا آخر ، طاقة المحبة معدية، وطاقة الشر معدية أيضا، وأنت تختار الطريق الخاص بك، البعد عن طاقات الشر أمان، وتفجير طاقات المحبة سلام، ليس عليك أن تقارن نفسك بأحد، أو تقسو على أحد ولكن عليك أن تتلمس الطريق لفهم الكون وحكمة الرب من داخلك ثم تمضي في الحياة محفوفا بالسلام؛ فالحياة هي الشجن الصباحي، والخوف المسائي والهوس ما بينهما بالتفاصيل؛ قهوة مرة، وشاي حلو، وعذوبة لاتكتمل إلا بالرضى.

الحياة اختلاجة الجفن قبل نوم قصير، وخفقة إضافية عندما نحب، وتفاصيل تنساب من أصابع الكف ولكنها ترسخ في الذاكرة.

الحياة نحن ونحن نرفع رأسنا في الغرق لنأخذ نفسا طويلا يكفي لأن نغوص مرة أخرى دون أن نموت، وحين نفعل تحدث اللاحياة.

تعليقات