التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 فاطمة الشيدي

30_5_2022


أكتب لأحيا عبر اللغة، لأفكر بصوت عالٍ وأكتب قليلا مما أشعر به، وأتقاسم  الأفكار والأحلام والتفاصيل الكبيرة التي أعيشها مع قارئ يحتوي جنوني القديم وعزلتي الدافئة؛ فثمة غربة تنمو بيني وبين هذا العالم أحاول منذ القدم أن أمزق جدرانها بالمحبة والكتابة.

 فمنذ زمن طويل لم أعد أجيد الضحك، فتبدو الابتسامة ساخرة أو متحجرة كلما حاولتها، ويبدو وجهي حجريا وشفتاي كذلك.ولكني بين الفينة والأخرى أحاول أن أضحك بأعلى ما أستطيع وبأصدق ما يمكن وذلك عبر اللغة فقط.

لقد أصبحت أحاول الانصات أكثر من الكلام أو قدر ما أستطيع، وأن أذهب في رحلة تأمل مستمرة في التحام مع الطبيعة  وغياب كلي عن هذا العالم، وأبدا يضحك قلبي للعصفور الذي يقبع فوق رأسي، وتنعكس صورته في كوب القهوة رغم أنه يعيش في مخيلتي فقط.

كما أصلي كثيرا كي أرتق الثقب الكبير بروحي كي لا تنسرب منه الحياة والناس، وأغنّي كلما ازدحم المارة في الذاكرة، أو أحكم الوهن قبضته على الجسد، وأرقص كي أبدد الوحشة في الموسيقا؛ فالرقص ذاكرة الجسد وطوق نجاته غالبا.

لقد تعلمت فن اللامبالاة قبل أن أقرأ الكتاب الذي يدعو لذلك، وفن التخلي أصبح هوايتي المفضلة الجديدة، حتى أنني أخشى أن أتخلى عن الكثير مما كتبت، فثمة مسافة تفصلني عن هذا العالم، صنعتها بلا حذر، وثمة وردة تعبق في قلبي كأنها معلقة في غصنها ولا أريد قطفها.

ومنذ البدء وأصابعي تحكني لأكتب؛ ولكنني لم أعد أستطع الكتابة كثيرا، كما أنني أصبحت أقرأ ببطء شديد؛ كسلحفاة تخاتل البحر، تقترب ثم تبتعد كلما قرر لمس جسدها اللزج، تغني له ببطء، فيبدو غاضبا لترددها في العناق.

أقرأ ببطء من ينسرب من يديه سائل الوقت الحارق بخفة، من يعمد لجمع الزمن في محارة ليضعها على أرفف المكتبة فقط، من لا يستطيع لمس الحذافير إلا في الحلم، أو الانعتاق من تفاصيل الوفرة إلا بالدمع، من ينهض متعثرا في جسده، ويمضي هائما خارج المسافة بينه وبين الزمن، من يصغي لكائنات بعيدة ليعيد حواراتها بينه وبينه دائما، من ينفلت من الواقع الوقح ليذهب في هذيان الكتب، وبينهما يمارس عادة الصمت الحزين كثيرا؛ لأنه لا يستطيع توفير حصته من الزمن المنفلت من الحياة ليسكن كتابا أو يكتب نصا جيدا؛ رغم أن هذا كل ما يجيده في هذه الحياة، وكل ما يحتاجه فيها أيضا.

كما أنني في هذا الوقت المأزوم أحاول أن أفعل كل شيء بحب حتى العمل، فأنا أؤمن منذ زمن قديم أن الحب وحده قادر على إنقاذنا من براثن التعب والكآبة والمصير المحتوم، ووحده قادر على تحويل الصخب والملل والخوف لسلام داخلي، أو لحالة من الانتقام العذب من فوضى الوجود، وتفاهة الخارج وحتمية النهاية.

لا أدعي أنني أنجح دائما لأن الإنسان كائن مرهق بوعيه وبغاياته ولذائذه التي متى ما عكر صفوها التعب ينقلب مزاجه للجانب المظلم؛ لكنني أدرك بوعي أن علينا أن نحاول كثيرا، ونمضي في الطريق حتى ينتهي بعلامة قف.

وأنني كثيرا ما أستعين بأصدقائي الكونيين أبناء الطبيعة وأشقاء الحياة؛ لأكمل الطريق وأفر من الخاتمة التي تصدمنا كل يوم برحيل أحدهم، شخص كان له حياة وعائلة وعمل وأصدقاء وأحلام وأوهام وفجأة قررت المشيئة أن تتوقف رحلته عند محطة ما.

وهكذا سنمضي أيضا بدورنا في دروب الحياة حتى ترفع يدها بعلامة قف وهناك لن ننظر خلفنا أبدا، بل سينظر من أحبنا إلى مساحة الحب التي عشنا بها، وربما خلفناها على رمال الحياة التي سرعان ما تُمحى وبعض الأثر، ولذا وحتى ذلك الحين علينا أن نمضي  في صناعة التفاصيل؛ في تتبع اللحظة، وفي فتنة التخلي، ورفعة الانعزال عن أكاذيب البشر، والانحسار للداخل، نمضي في بهاء اللغة وروعة الفن، وفي التعالي على الصغائر، وفي محاولة كل شيء رغم كل شيء؛ والبحث عن سبب وجودي حقيقي ومعنى عميق للاستمرار؛ قد يكون ليس أكثر من كوب قهوة أو بسمة طيبة لغريب، أو كتاب يأخذك نحوه، وحب يجلب لك الكون، في أغنية تحكيك، وتأمل يجعلك تضحك على الندوب الواضحة في قلوب البعض، والشروخ التي تتسع في ضمائرهم، والضيق المتناقص في عقولهم ووعيهم، في مسكنات الصداع، وأدوية الصبر وتحدي المستحيل، في غضب يستحيل لطاقة إيجابية، ومنغصات تلونها بجماليات تعيد ترميم الروح؛ فهذا هو الرقي الذي يليق بآدميتنا.

علينا يا صديقتي أن نمضي في الحياة بمعنى خاص جدا، بروح بسيطة مؤمنة بإمكانية التغيير، روح طيبة تقرأ الجمال وتمحو القبح، وتستلذ الجديد؛ هكذا علينا أن نعيش أبدا أو نحاول ذلك قدر ما نستطيع.

صديقتي العزيزة هذه بعض الفضفضة التي لا تروم أكثر من ذلك؛ فكوني بخير حتى رسالة قادمة.


تعليقات

‏قال غير معرف…
ما أجملها من سطور، وعلينا أن نكتب كي نوجد ونكون.