د.فاطمة الشيدي حلبة الأفكار واسعة والكتابات كثيرة، ولكن ثمة معايير واضحة ودقيقة للنظر في العمل الأدبي.
د.فاطمة الشيدي حلبة الأفكار واسعة والكتابات كثيرة،
ولكن ثمة معايير واضحة ودقيقة للنظر في العمل الأدبي.
حاورها رياض البلوشي
جامعة السلطان قابوس
18-4- 2022
١- من هي الدكتورة فاطمة الشيدي؟
كاتبة وأكاديمية وقارئة؛ تعيش الحياة وتكتبها،
وتتأمل الوجود لتفهم، وتقرأ الكتب وتدرّس الأدب بروح محبة للفن والحياة، الحياة التي ليست واحدة ولا يمكن
النظر إليها بزاوية أحادية بل هي وضع متعدد وكثير ومعقد غالبا ومتغير دائما، إنها
أنت في الزمن والمكانات وتقاطعاتك مع الآخر، ومع كل شيء يحيط بك تقريبا.
٢- ما الفرق الذي ترينه بين الكاتب والمؤلف؟
شخصيا لا أعتقد أن ثمة فرق كبير، ربما فقط
الكاتب يصبح مؤلفا بعد نشر أعماله في كتب، ومع ذلك صفة الكاتب تحمل فكرة التأليف
ضمنيا، فلا يمكن للكاتب أن يكون خارج حيز التأليف لأن الإلحاح للوصول للآخر
واقتراح أشكال محسوسة لتجليات الكتابة تجمع الكاتب بقارئه؛ يجعل الكاتب يصبح
مؤلفا، كما أن صفة الكاتب تحمل فكرة الاستمرار والتعددية في فعل الكتابة وتتحول
لمؤلفات منشورة بالضرورة ولذا لا يمكن القول بفروقات حقيقية بينهما.
٣-في أي مرحلة تعتقدين أنه يجب على شخص ما أن يطلق على نفسه كاتبًا؟
في
مرحلة النضج والوعي بقيمة الكتابة والإيمان بها؛ في مرحلة الشعور بموازاة الكتابة
للحياة أو تجلي أحدهما ضمن الآخر، فإذ يحدث هذا، وإذ يجد المرء ذاته عبر الكتابة
فقط يصبح كاتبا. أو كما يقول ريلكه "لا تكتب إلا عندما تشعر أنك ستموت إذا لم
تفعل" ولذا ربما ليس على الكاتب أصلا أن يطلق على نفسه هذه الصفة، وينتظرها
حتى تلتصق به وتتجلى فيه.
عني أؤمن أن الكتابة فكرة يعيش ضمنها الشخص
ومتى ما وجد نفسه يعيش ضمن فكرة الكتابة أصبح كاتبا حتى لو لم يطلق هذه الصفة على
نفسه أو لم يطلقها أحد عليه، أو حتى لم ينشر كتابا بعد، فمن يحيا في عالم الفكرة
واللغة ولا يستطيع إلا أن يحول حيواته للغة فهو كاتب.
ولكن غالبا تبدأ مرحلة الحضور والظهور للكاتب
بعد زمن ما من ممارسة الكتابة، فالزمن الذي يسرى في روح الإنسان يشكّله ضمن أي
فكرة، والكتابة روح الزمن ونضجه في وعي الإنسان وفكره، ولا يمكن للشخص أن يتحقق
ككاتب دون وعيه في الزمن ونضجه فيه مع التأكيد على قيمة القراءة للكاتب فهي سلاح
الكاتب وأداته المعرفية فشخص يحاول الكتابة ولا يقرأ لا يعوّل عليه أن يصبح كاتبا
حقيقيا أو متحققا.
٤- هل فكرتِ يومًا في الكتابة باسمٍ مستعار،
ولماذا أو لم لا؟
نعم في البدايات، خاصة في فترة شيوع المنتديات،
والأقنعة المستعارة كأسماء نخفي خلفها أفكارنا المجنونة في مرحلة بدئية مرتبكة
بالخوف والقلق وحسابات المجتمع والعادات والتقاليد وأشياء أخرى تمنع من الحضور
الناصع، والمجاهرة بالرفض والأفكار الصادمة، ولكن بعد زمن من انكشاف الوعي وتجليات
المعرفة واستقباح الأقنعة واستنكار فعلها، وفهم حقيقة الكتابة بوصفها فعلا مشرفا وتجليا
كاشفا لوعي الإنسان وحضورا شجاعا للتعبير عن فكرة ما؛ لم يعد للأقنعة وللأسماء
المستعارة مكان في الكتابة أو في الحياة.
٥- ماذا تعني لكِ عبارة "كتلة الكاتب"؟
كتلة الكاتب هي حبسة الكاتب وهي عدم القدرة على
الكتابة في موضوع ما أو مواصلة الكتابة في نص بدأت الكتابة فيه كرواية طويلة أو نص
شعري، وهي حالة طبيعية لا يمكن لكاتب ألا يكون قد مر بها، وذلك لأن الكتابة فعل
مزاجي، وقلق وجودي.
بل من
وجهة نظري أن على الكاتب الرضوخ لها إذا أصيب بها، وممارسة أفعال أخرى أكثر حيوية
كالصمت والتأمل والمشي والقراءة حتى تنجلي غيمتها وينهمر سيل الكتابة وهو أمر سيحدث
بالضرورة وبقوة بعد فترة وجيزة جدا. وكما يقول ريلكه أيضا "نلتزم الصمتَ من جديدٍ، لكنّنا نحملُ في
أعماقنا كلماتٍ مشعّة"
ولقد حدثت معي كثيرا وتجاهلتها بالقراءة والمشي فعادت أجمل وأكثر غزارة.
٦- كيف تتعاملين مع مراجعات الكتب السلبية وما هي
نظرتكِ تجاهها؟
أؤمن أن القارئ حر في رأيه، ولكن في المقابل هناك
فرق بين قارئ وقارئ؛ فالقارئ الواعي هو الذي يعنيني رأيه، أما القارئ الهش غير
المزود بثقل معرفي ووعي وجودي وذائقة تربت بمهل لا يعتد برأيه، وليس عليه أن يؤثر
على كاتب حقيقي واثق مما يكتب.
إن حلبة الأفكار واسعة والكتابات كثيرة، وكل
يجد ضالته ولكن ثمة معايير واضحة ودقيقة للنظر في العمل الأدبي، والمراجعات
السلبية أو الإيجابية إذا لم تكن بمعايير علمية مدعمة بالأدلة العلمية والشواهد
النقدية، ومستندة لرؤى راسخة تظل رأيا شخصيا يحترم ولكن لا يبنى عليه.
٧- ما هو أصعب جزء في عملية الكتابة الخاصة بكِ؟
الكتابة بالنسبة لي فرح ضمني، حياة موازية،
تعبير أبلغ عما أشعر به، وتأتي كيفما تريد غالبا؛ فبعد هذا الوقت أصبحت لا
أستعجلها، وغالبا لا أكتب إلا ما أحب، وحين أشعر بضرورة ذلك، ولكن يحدث كثيرا
أن أتجاهل إلحاحها في دمي، ورنين أجراسها في عقلي لانشغالاتي الكثيرة وأبرزها
العمل الأكاديمي الذي يصادر الوقت والجهد بتعبه وكثرة متطلباته، وهذا هو الجزء الأصعب
في عملية الكتابة بالنسبة لي وهو أن لا تجد الوقت للجلوس للكتابة أو تلبية نداء
روحك لها؛ الأمر يشبه إلى حد كبير تجاهل بكاء طفلك الرضيع.
٨- منذ متى وأنتِ تكتبين أو متى بدأتِ؟
لقد بدأت الكتابة باكرا جدا عبر محاولات بسيطة
ولكن أثمرت اجتهادا مستمرا للاهتمام بالنافذة التي أرى منها العالم وهي اللغة،
الكتابة التي كانت _وماتزال_ وسيلتي
لفهم العالم وللهروب منه في ذات الوقت.
٩- ما هي أهم عناصر الكتابة الجيدة بالنسبة لكِ؟
اللغة أولا والعاطفة ثانيا والصورة ثالثا، طبعا
الأمر يعتمد على الجنس الأدبي، ولكنني منحازة لجمالية اللغة كثيرا، لشعريتها التي
تأسر الروح، وللعاطفة التي تجذب القارئ بصنارة الوجد واللهفة فيحتدم الصراع بينه
وبين النص ويتوحد معه ويتجلى فيه، ويصبح جزءا منه، وهناك الصورة التي تشكل فنية
العمل خاصة في الشعر، والأسلوب والفكرة خاصة في كتابة المقال.
ولكن دعني أقولك لك أن هذه المعايير عليها أن
تكون مندغمة معا في النص دون تجزئة أو تفنيد أو انفصال، وأن النص الجيد هو خلطة
سرية من هذه العناصر دون معرفة أين يظهر عنصر أو يختفي آخر، تماما كما يحدث في
طبخة جيدة أنت لا تعرف أين يكمن الجمال فيها، ولكنك تعرف بذوقك إنها تتمتع بالكمال
فقط، بينما يمكنك أن تعرف أين يكمن النقص والضعف في النص وفي الطبخة معا، إن الكاتب
الجيد طباخ جيد يجيد مزج المكونات والعناصر ويقدمها للقارئ ويلتذ بها دون أن يعرف
سر الطبخة الذي يملكه الكاتب/ الطباخ فقط .
١٠- ما هي النصيحة التي تقدمينها لكاتب
يعمل على كتابه الأول؟
تمهل ما استطعت، واسأل نفسك؛ هل تعتقد أن كتابك
سيجد قارئا واحدا يحبه؟! وهل سيحدث فيه أثرا ولو بسيطا؟!
وتذكر أن هناك كتب كثيرة تملأ المكتبات ولا
يقبل عليها أحد، وقبل ذلك بكثير وبعده بكثير اقرأ اقرأ اقرأ، وامش وسافر وتأمل
الحياة واصنع وعيك بمهل؛ فالكتابة هي مشترك إنساني يحتاج كل هذه العناصر السابقة ليكون
حقيقيا وفارقا.
تعليقات