التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي الكتابة بالنسبة لي هي الخيار الوجودي؛ وفيها يشغلني الإنسان

 

فاطمة الشيدي الكتابة بالنسبة لي هي الخيار الوجودي؛ وفيها يشغلني الإنسان

حاورتها ليلى الصبحي

14 -4- 2022

 

 أولًا وقبل كل شيء، حدِثينا عن نفسكِ، ومتى بدأتِ بالكتابة؟ وهل واجهتكِ صعوبات في الوسط الاجتماعيّ؟ 

يصعب الحديث عن الذات إلا  كمحاولة مستمرة لفهمها، وضمن ذلك السياق أقول دائما أنني كاتبة بتأنيث الصفة لأن الكتابة في حد ذاتها معاناة ولكن الأنوثة في مجتمعاتنا مأساة  و"شاقة هي المهمة عندما يولد الإنسان امرأة" كما تقول مايا انجلو ، ولكن متى ما آمن الإنسان بما يريد سيحقق ذلك في حياته ويتحقق هو ضمنه.

لقد بدأت الكتابة باكرا جدا عبر محاولات بسيطة ولكن أثمرت اجتهادا مستمرا للاهتمام بالنافذة التي أرى منها العالم وهي اللغة، الكتابة كانت _وماتزال_وسيلتي لفهم العالم وللهروب منه في ذات الوقت، الكتابة دللت عزلتي، وصنعت وعيي بالوجود. أما عن المجتمع فرغم كل حساسيته تجاه المرأة إلا أنني أظن أنه ينظر للكتابة كفعل مشرف ولا مشكلة لديه أن تكتب المرأة مالم تخدش بقلمها مناطقه الحساسة أو تتمرد على قيمه التليدة، وفي البدايات يذهب القلق لمناطق أبسط من ذلك، فقط لاحقا حين تكبر أظافرك تكون في مواجهة المجتمع ولكن الأمر يكون أسهل كثيرا بعد أن استويت على ساقك ووعيت برسالتك في الوجود وهي كما يقول غاندي "كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم" ولا بأس ببعض المواجهات والاستفزازات التي ستدفعك للمزيد من الحفر الأعمق تحت جلد المجتمع الساكن لنقد مسكوتاته وأنساقه الثقافية المتوارثة وبوعي ومسئولية ربيتها جيدا.

- لو لم تكوني أديبة وكاتبة، ماذا تحبي أن تكوني؟ 

أشياء كثيرة أحببت كثيرا الفلسفة، ومناطق الأسئلة في الفكر الإنساني، أحببت المسرح منذ الارتباك الأول لفهم العالم حيث بدايات التكوين وكتبته ومثلت أدوارا كثيرة على خشبة المسرح من المرحلة الابتدائية حتى المسرح الجامعي فالمسرح أبو الفنون وحاويها ضمن إطاره الكبيرة من كلمة وموسيقا وتشكيل ورقص وأزياء وديكور وكل الفن هو شغفي في الحياة، كما أحببت مهنة المحاماة لمواجهة الظلم والدفاع  عن حرية الإنسان وفكره، السينما التي أعتبرها كوة ضوء للإنسانية لاحتواء الظلام المنتشر والمتعدد، ولكنني  وجدت أن الكتابة هي كل هذا معا، عبر الكتابة أتعدد وأعلو وأفهم

 وأدافع عن الخير والعدالة والحرية، أصبحت الآن أعي أن الكتابة بالنسبة لي هي الخيار الوجودي الأهم وربما الوحيد الذي أحقق ذاتي عبره وتصب فيه كل ينابيعي الثائرة وجراحي الغائرة وأرواحي العديدة، كما أنها القدر الحتمي الذي تصالحت معه وأعتبره الآن قدرا جميلا وسعيدا بكل ما أنا جبلت عليه وما وجدتني فيه، ولم أعد أرغب في التفكير في أكثر من ذلك.

 

- كما نعلم دكتورة فاطمة، أنك تكتبين الشعر والرواية والقصة والمقالات، فلو خُيّرتي بينهم، أيُّهم تختارين؟ ولماذا؟

الشعر ؛ لأنني أظن أنني أنظر للعالم بروح الشعر، بل وأعيشه وأتقبله وأرفضه شعريا، فلقد لازمتني حساسية الشعر الذي ولدت بها، وربما أشقتني أيضا، وأوجعتني كثيرا وأرهقتني طويلا، تلك الحساسية الشعرية التي ترى العالم قصيدة ممتدة من بسمة أم حتى صرخة طفل، من حنانات الوجود التي تجعل العالم أقل قسوة، حتى ضوء سراج في العتمة يجعله أقل عتمة، الشعر الذي يشبه الحياة وليس رومانسية ساذجة، الشعر الذي يبكيك ويضحكك في ذات الوقت، ويربّت على كتف معتاز، ويضع لقمة في فم طفل، الشعر الذي يشبه الإنسان تماما، وينبثق من روحه ومن وعيه بالوجود، الشعر الذي هو منطقتي الأكثر قربا والأكثر قلقا أيضا.

 

- ماذا تقرأ الدكتورة فاطِمة؟ ولِمن تقرأ؟

أقرأ كثيرا وواسعا، أقرأ من البعيد للقريب في الزمن، لكبار الكتاب الذين عبروا هذا النفق المظلم المسمى حياة وأشعلوا فيه شمعة ظلت مضيئة عبر الزمن ومازلنا نقرأ لهم فنرتجف  ونصاعب برعب الجمال ورعدة الالتذاذ، وأقرأ من القريب للبعيد في المكان لأفهم مكاني وزمني، ثم أتجاوزه عبر فهم الآخر ومكانه وزمانه، أقرأ الفلسفة لتنبثق في وعيي رؤى جديدة، وأسئلة مستمرة، وأقرأ علم النفس لأرتب ارتباكاتي ضمن ارتباكات الإنسان، وأحلل قلقي ضمن قلق النفس العام، وأقرأ الأدب لأستوعب العالم بأخطائه وأوجاعه وأوهامه، لأحلم بالحرية والسلام كأجمل توق على هذه الأرض ولأغضب على قبح وشر، وأبكي في عتمة النص ما أعجز عن تغييره في عتمة الحياة.

 

 

- ما الذي يشغل الدكتورة فاطِمة في كتاباتِها؟ 

الإنسان، بجوعة الحقيقي والمعرفي، بقلقه الوجودي، بجهله المصنوع من مؤسسات وسياسات، بفقره الذي هو نتاج تخمة الآخر السارق والفاسد، الإنسان بأحلامه المصادرة غالبا لصالح جهات تتغذى الأحلام وتمتص دماء البؤساء، بخوفه الذى يُربى في مشاتل الرعب، ويوزع في وجوه الأطفال والأمهات وكبار السن كترياق ضد التمرد والوعي، مشغولة بالإنسان بحزنه الطويل وبهجته القصيرة، بصناعة التغيير، وبث فتنة الرفض القلق، والتمرد العابث بالمسكوت عنه في مجتمعات آسنة، ودروب ملتحفة بالغبار والأمان، بالتحدي عبر الأمل الذي يجب أن نحمله في أرواحنا كسراج نحرص أن لا ينطفئ رغم كل الرياح، وكل السقوطات التي هي حق طبيعي كالألم والبكاء والعثرات والانزواء والرفض للنهوض بعدها كعنقاء جديدة تنفض الرماد بقوة وتشهر أجنحتها لتستمر في السعي والحلم معا.

 

- أقرب عمل قمتِ بإنجازِه إلى قلبِكِ؟ 

مجموعة "كنت في البدء شجرة" 2017 ، فكل ما كتبته في هذه المجموعة يشبهني ويقولني تماما، أنا الشجرة الراسخة في الأرض بجذور عميقة، المتهادية في الريح بقلق، وفي المطر بعذوبة، وفي الليل بتجلٍ وفي النهار بشك وتردد، الشجرة التي تصنع الظل وتعشق العصافير وتتأمل العابرين وتبتهج بحكاياتهم التي ترتطم بها بلا نية للخلود.

 

- برأيكِ، ما هي أبرز التحدّيات التي يواجهها الأدب العُمانيّ؟ وهل هناك اهتمام بالأدب في عُمان؟ 

هناك تحديات كثيرة وكبيرة تواجه الأدب بشكل عام في زمن السرعة الكونية وتسيّد الميديا، وتصاعد المغريات، لكن الأمر بالنسبة للأدب العماني أكثر إشكالا؛ فمهمة ترسيخ الوجود وتحدي الذات والآخر  في ظل عزلة مكانية، وقلة المؤسسات الثقافية، وتخليها عن الدعم الحقيقي والأخذ بيد الأدباء الجدد، ناهيك عن مجتمع لا يقرأ أغلبه، مجتمع ديني في عمقه، لا يحب النقد والكشف ومحاولات نبش المستور وتعرية الأخطاء وهذه وظيفة الأدب؛ ولذا وجد الكثيرون في الأدب ترفا أو خدش لثوابت المجتمع أو التعدي على الدين، أما من يقرأ قليلا فيعتقد أن الآخر الخارجي أفضل وأكثر أهمية ويسعى للاطلاع على منتجه وبالتالي فمحنة الأدب العماني أنه غريب بين أهله، إلا من قبول ومتابعة نخبوية وكثيرا ما تكون موجهة وشللية أيضا، وبعض الاهتمام في الخارج؛ وكل هذه الصعوبات تمثل محنة كبيرة ومتعددة الزوايا وتفكيكها يحتاج اشتغالات كبيرة، وتفكيك عميق من قبل المؤسسة الثقافية والأكاديمية، ومن المجتمع والمثقف والكاتب معا في تظافر وإيمان بالمنتج الثقافي والإبداعي العماني

 

 

- برأيكِ دكتورة، هل تجدين التّطور التكنولوجيّ أثر سلبًا على جودة الانتاج الأدبيّ أم العكس؟

حسب الزاوية التي ننظر منها لعلاقة الأدب بالتطور التكنولوجي؛  فطبعا هو قد أثر تأثيرا إيجابيا كبيرا على ظهور الكثير من الكتاب، وسرعة انتشارهم، ووصولهم للعالم الخارجي وعلى تسويق الكتب بسرعة، ووصوله للجميع وعلى تعدد الوسائل والوسائط، ولكن مع كل هذه الإيجابيات فهناك سلبيات كثيرة ظهرت كمشكل موازٍ ؛ من ذلك الجودة أو القيمة في مقابل الوفرة إلا أنني أرى أن الإيجابيات أكثر تجليا وإفادة للأدب؛ فأنا مع التطور والتغيير دائما، والوفرة سيغربلها الزمن وما يظل هو العميق وهو الذي يستحق المكوث في الزمن، ودور الكاتب المبدع أن يكتب وللقارئ حريته في الحكم على العمل وفي النهاية تبقى فكرة الظهور والانتشار ليست معيارية ولا ثابتة الحكم بل محكومة بظرفها التاريخي وفرصتها من الحظ، فكم من عمل كبير لم يعجب به البعض ولكن هذا لم يؤثر على العمل ولا على حرية القارئ بل يساعد على تربية ذوق القراء مع كثرة الأعمال وسرعة انتشارها. القراءة هي فعل تراكم معرفي وصناعة وعي ضمن الزمن ومع سهولة الحصول على الكتب والمنتجات الثقافية بشكل عام وتعدد وسائطها وسرعة انتشارها سيحدث هذا الأمر وتتحقق الفائدة وعلينا لاحقا الاهتمام بالكيف والارتهان للقيمة.

 

تعليقات