فاطمة الشيدي
7_3_2022
لم أعد أهتم كثيرا بالحضور في الفعاليات الثقافية، في الحقيقة لا وقت لدي صادرت الأكاديميا وقتي وفراغي وراحتي من جهة، وزهدت في الكثير منها من جهة أخرى، فحين تعرف أنك ستسمع ما تعرف غالبا فيكون الأفضل لك أن توفر وقتك لصمت طويل ونوم ثقيل وضحكة دافئة ولمة هانئة. كورونا أيضا زاد الطين بله؛ أجبرنا على السكون تحت غطاءات الذات وبين جدران البيت ونحن أكثر الحيوانات تأقلما كما يقول علماء النفس والاجتماع، نعم تأقلمنا وتعودنا، ولكنه قرر أيضا أن يسري في أجسادنا ويرهق أحبابنا تعبا ومرضا هذا إلى الزمن وقوانين الجسد والهرم، ولذا فكل فسحة نشد الرحل لأمهاتنا نطبب أرواحنا بهن، ونتشافى ونتعافى بعناقهن وجمالهن.
هذا ناهيك عن استعداد قديم وارتباك أقدم من التجمعات والصخب والحضور الباهت، وتصاعد الأوهام في مجراها الضيق من الحياة، وتربع الزيف وتصدر الأورام في كثير من المحافل.
كما أن الكتب أصبحت وافرة وقريبة إما عن طريق كندل أو مكتبات البلد، ورفيق الحياة والكتب يأتي بها وأنا أقرأ، وهذا أجمل معادل السلام والوعي شراكة الوعي والمحبة معا، صداقة الحياة والكتب؛ هذا كله جعلني أقرر أن أذهب للمعرض ليوم واحد وأستغل فرصة الإجازة لأستغل راحة جسدي والصمت الذي لا يحدث في قاعات الدرس.
ذهبت إلى هناك، فوجدت الكثير من الجمال والمحبة، وجدت طلابي يتصدرون القاعة، ويهرعون لحفل التوقيع، وجدت زملاء العمل الثقافي وزملاء الدرس والأماكن التي مرت عليها الخطوات، كانت المحبة صادقة وعظيمة وكانت كل لحظة تمر هناك دافئة وعميقة.
وأن تمشي بين الكتب هذا وحده يمنحك الأمان والسلام الأعظم حيث تحيا بين الفن والجمال والشعر والأدب وتتسرب لك روح العظماء وتسري دمائهم في روحك.
وهناك وصلت الزميلة البعيدة؛ كانت ترتدي كمامة ومع ذلك عرفتها من عينيها التي طالما كانت قريبة، تعارفنا وتحدثنا في أشياء كثيرة، كانت تبدو في حالة زهد عظيم وسلام وفير، مع قليل من الإرهاق من رحلة الحياة وناسها، كانت مثلي تحتمي بالمحبة المتدفقة من بيتها، وبالسلام الذي ينهمر من اللغة.
هي لم تكن يوما كما هي الآن، ولذا أحببت هذه النسخة التي أنضجتها التجربة، ولفها الجمال الداخلي فاستكانت للظل والصمت، للهدوء العميق والسلام الوفير.
مر علي لاحقا بعض الصخب، وبعض الأوهام التي تمشي على قدمين كنت أحتفظ في روحي بتلك الروح التي عبرت الزمن القديم وتعلمت الدرس ونضجت في الحياة واللغة، وجدتها تشبهني ووجدت روحي تباركها وترقيها من جنون الزيف ولذة الصخب.
تعليقات