فاطمة الشيدي
12_12_2021
بعد أن أنهيت رواية "الأنفس الميتة "للكاتب الروسي العظيم جوجول أدركت أننا صرنا أصدقاء.
الرواية تتناول حياة "تتشيكوف"الرجل المهذب والأنيق في كل شيء من اللبس حتى الكلام والتعامل الاجتماعي، والذي يتجول في القرى في محاولة لشراء العبيد الموتى من ملاك المزارع، والذي تم كشفه من قبل السلطات؛ ومن هنا يبدأ جوجول بتعريف القارئ على قصة هذا الرجل وحياته منذ ولادته فدراسته فمحاولاته لأن يحيا حياة مريحة ويحظى بالثراء، ثم يترك النهاية مفتوحة وتتشيكوف يتجول في عربته بحثا عن مكان آخر ومحاولة أخرى لصنع مجد ضائع غالبا ولكن بلا يأس.
وكنت قد قرأت منذ زمن طويل قصته العظيمة المعطف التي تتحدث عن علاقة موظف بمعطفه الجديد والذي ضغط على نفسه لشرائه بعد أن اهترأ معطفه القديم ولم يعد يجدي معه الإصلاح، ثم كيف فقده على يد لصوص، وقصة الأنف الذي فقده صاحبه ومحاولات تعويضه حتى عاد إليه مرة أخرى، في سرد شهي عجيب زاد يقيني بفكرة بدأتها منذ فترة طويلة وهي أنه ليس عليك أن تعبر هذه الحياة دون أن تتعرف على بعض الكاتب العظام عبر ما لايقل عن ثلاثة أعمال لهم لتتعرف على خصائصهم الأسلوبية ووعيهم العميق في الزمن والمكان.
الزمن والمكان عنصران هامان في قراءة أي عمل سردي لأنهما ينعكسان بالضرورة في العمل بوعي أو دون وعي.
فعندما تقرأ لكتاب بعيدين في الزمن والمكان تسافر في الزمن وتتعرف على أزمنة ماعشت فيها وأمكنة ربما لاتصل إليها، وحتى إن ذهبت يوما ستشاهدها بوعي سائح طارئ على المكان، وبوعي جديد؛ في حين أنك حين تقرأ ستعرفها بروح ووعي أهلها وخصوصية المكان في الزمن.
إن التعرف على البعيد الإبداعي زمنا ومكانا يهبك أجنحة وذاكرة إضافية ومعرفة عميقة بهما وصداقة عميقة مع كتاب تركوا لنا أرواحهم ووعيهم فيما كتبوه ولذا جدير بنا أن نتذكرهم ونؤمن بهم ونؤاخي أرواحهم النبيلة. وأتذكر هنا أمبيرتو إيكو وهو يقول عندما يشير أحدهم بإصبعه أنا أرى عبرها القرون الوسطى التي أعرفها أكثر من الحاضر.
إن روح القديم العظيم بشعره وسرده تجعلك تعيش الحنين الإنساني المشبع برائحة الجمال والبطء والهدوء وهذا تماما ما تجده في سرد جوجول السارد العظيم الذي سرني أن تعرفت عليه تعرف الأصدقاء، وكأنني وضعت يدي في يده ومشينا عبر الحقول الروسية تحفنا السماء بزرقتها والحقول باخضرارها ويجمع الهواء واللغة بين روحينا المتباعدات في الزمن، وهو يقدم لي دروسه العظيمة في قيمة السرد القائم على النقد والمتفتح على الوجود والمنطلق من الزمان والمكان والمستمر عبرهما، الأستاذ الكبير والصديق الجميل الذي حكى لي عبر نصه وأنصت له بمحبة وإعجاب من يحيا حياته يتعلم.
تعليقات