التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

صلاح فائق السريالي الأخير

مقامات

د.فاطمة الشيدي

جريدة عمان 

4_10_2021



لا يمكنك أن تعيش على الكوكب الافتراضي "مواقع التواصل" دون أن تنتبه للشاعر الكبير صلاح فائق بحضوره الخافت وشعره المتوهج؛ ذلك الانتباه الذي سيجعل شعره يستحوذ على كل حواسك لتتابع بحرص كل ما ينشر عبر صفحاته من نص فريد يشي بمخيلة خصبة تتجدد كل لحظة، وكل نص؛ كما يعكس كل ما يعيشه الشاعر من حيوات داخل نصه بشكل سريالي فريد.

وعبر هذا الانتباه والمتابعة، لما تركه الشاعر -قصدا- من أعمال كاملة بين يدي القارئ ليتعالق معها بيسر وسهولة* -سواء كنت ممن يعرف تجربته ومكانته الشعرية سلفا أو تتعرف عليه للمرة الأولى عبر هذه الوسائل الذي يمثل الاتصال المعرفي والتواصل الفكري العميق والمتفرد أهم ميزاتها - يمكنك أن تتعرف تجربه صلاح فائق الشعرية الفريدة التي لا تستنسخ جملة أو قصيدة أو نصا بل يبتكر شاعرها قصيدته ابتكارا خاصا وبعيدا من جهة، ويعيشها حياة كاملة من جهة أخرى، وتشكّل صدمة فنية للقارئ عبر صورها الكولاجية الفنية المدهشة المازجة بدقة وحذاقة وربما بجنون بين الواقعي القريب والغرائبي البعيد، وبين التاريخ والجغرافيا عبر الزمن بكائناته وأفكاره في كل امتداداه التي زحفت على جسد الكرة العجوز.

"خذ ما تحتاج من قصائدي 

لا أمانع إذا شاركتها مع حشد في زفاف بلا عروس

هناك فتيات جميلات تعلمن كيف يبتسمن حول مائدة العشاء

هذا مسموح لهن حتى يبلغن السبعين من أعمارهن

مغفورة اخطاؤهن بعد ذلك بسبب سرطان يتغلغل فيهن وحولهن : أهذا سبب هرب العروس من حفل زفافها ؟

أسال لأن المكان يعج بشبان يثيرون الضحك 

بملابسهم الفضفاضة التي تتدلى من كل جهة 

وكأنهم في مأتم أو يعودون من حوض سباحة .

هنا وهناك، أحرص أن أبدو سعيدا أو في الأقل مسرورا 

فهذه طبيعتي وهي عشوائية في كل حال "

إن ما يميز قصيدة صلاح فائق هو تلك الغرائبية المدهشة التي يمكنك أن تستحضر عبرها تجربة سلفادور دالي الفنية مباشرة بجنونها ووعيها الفني المتجاوز، أو أفلام هيتشكوك أو أفلام الرعب أو غيرها من الفنون التي تبتكر المخيلة عبرها مالا يمكن تصوره مباشرة أو استحضاره من مناطق قريبة ومباشرة في الوعي الإنساني أو الإبداع الفني، بل يتطلب جنونا خارقا، وخيالا جامحا، ووعيا فنيا فارقا، وهذا ربما ما يميز صلاح فائق وينعكس عبر نصه المائز.

 إن ابتكار الشاعر للصور الغرائبية بتلك الحالة المدهشة والعجائبية أحيانا كثيره؛ يجعله في حالة انزياح دائم وانحراف كلي عن كل شبه ونص، بل يجعل معانيه خارج النص دائما، مما يربك المتلقي أو يجعله يتتبع ذاكرة النص وإحالاته ليستحضر معه كل غريب وغرائبي مثل كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة وحكايات الشطار، وشكسبير وغيره من الشعراء الكبار، وكثير من أفلام الرعب والحب في إحالة دائمة لما هو بعيد وغريب وفارق مما أثر في نفس الشاعر أو في ثقافته المتعددة المنابع من العراق إلى الفلبين إلى لندن حيث يعيش، ومن صداقات وعلاقات وتعالقات، ومن أسفار وأحوال ووعي وقراءات، ولكن الأغرب أن صلاح فائق يسقط كل ذلك في يومياته وحيواته الطبيعية التي يعيشها ويضيف كل فعل لذاته وحياته الخاصة، ليقدم لنا ما يشبه سيرة ذاتية عادية جدا لكنها شعرية غرائبية في ذات الوقت، سيرة تبدأ من الذات كبؤرة لكل جمال وخراب وخوف وينبثق عبرها -في إحالة دائمة - العالم والبشر والكائنات والطبيعة في اتحاد كلي وصناعة مجازية مدهشة لنص جديد ومربك.

وإذا كانت قصيدة النثر قد استحدثت شعرية التفاصيل وتميزت بها ونظّر لها كبار المنظرين؛ فصلاح فائق ليس بعيدا عن ذلك بل هو من أبرز شعراء قصيدة النثر وهو من أكثرهم رسما للتفاصيل في قصيدته، لكن تفاصيله الشعرية لا تشبه أية تفاصيل ولا أي نص فهي ليست مباشرة أو جاهزة ولا حتى متماثلة مع أي شاعر آخر عبر أي عصر من عصور الشعر الإنسانية، إنها فعلا قصيدة جديدة تماما مما يجعلها مدرسة شعرية خاصة، مدرسة سريالية وغرائبية لكنها قريبة بما يكفي لكي تحبها وتعيش تفاصيلها وربما وجدت ذاتك عالقا في ابتكاراتها الفنية وصورها الغرائبية كقارئ أرهقته التماثلات وغياب الدهشة في الحياة والنص معا.

إن قصيدة صلاح فائق التي لا تنفصل عن حياته تمثل شاهدا على عظمة المخيلة الإنسانية وقدرتها على التجدد عبر الزمن لتعيد تشكيل اللغة والنص والإبداع وتقدم للإنسانية بين زمن وآخر ظاهرة شعرية جديدة، أو طفرة تتجاوز الموجود بشكل ما في ميزة ما، وهذا ما يتميز به صلاح فائق السريالي الجديد -أو الأخير كما يلذ لي أن أصفه هنا- والذي يقدم عبر تجربته الشعرية الفريدة نموذجا خاصا وطفرة إبداعية جديرة بالتعلق والتعالق معها. 

"يحيريني بخل الشمس معي

تقدم ضياءها وحرارتها الى مزارع الكروم البعيدة

وحالما أجلسُ لأحصلَ على حصتي منهما 

تدفعُ إحدى الغيوم نحوي , فتظللني . اقومُ

أعودُ الى البيت لأزاول تمارين رياضية

يحتاجُها ظهري وأطرافي الأخرى

*

أفرغتُ إحدى قصائدي من الألم

من أسيجة تحيطُ سجناً

من أشجار واقفة أمام المحيط

تتطلعُ الى سفينةٍ تحترق ,

من مسرح صرخاتُ ممثليهِ لا تتوقف

من أعاصير تدفعُ نجمةً الى هاوية 

من الزمن من طفولتي من امرأتي

ومن يدينِ تقبضانِ على جمرةٍ كبيرة

ولا تحترقان

*

أسحبُ الى الشاطئ قارباٌ بحبل

أعثر فيه على أسنان حيتان وقرش ,

منهدة , وتماثيل من الخزف لعصافير ترتجفُ من البرد .

أنزعُ معطفي , أغطيها

*

بدلَ أن تبحثَ عن روحكَ في هذه الجُزر

تنقلْ بدراجتكَ بين مواقعِ طيورٍ مهاجرة 

قدمْ لها , مسروراً , مؤونةً , ماءً ,

واقرأ لها بعض القصائد .

*

بقيت امس لساعات من الليل

في فندقِ مدينةٍ بعيدة ,

غادرتهُ مضطراً قبل قليل

بسبب حصانٍ كان يبكي في احدى الغرف

بحثوا عنه , لم يعثروا عليه 

في كل الطوابق .

........................

*وضع الشاعر في مجموعة "صلاح فائق" على الفيس بوك كل أعماله الشعرية ومجلدات أعماله الكاملة بصيغة pdf    ويمكن لكل قارئ راغب في الاطلاع تحميلها بسهولة ويسر .

* جميع الاستشهادات في المقال من صفحة الشاعر على الفيس بوك.


تعليقات