التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي

27_8_2021


 لكأن الحياة لحظة هروب أزلية، تهرب من ماذا وإلى أين لا نعرف!

لعله الهروب من الذات، أو الهروب من الموت، لكنه الركض المستمر بأهداف كثيرة ومسميات متعددة.

نولد خائفين ونموت خائفين، ونتحرك بينهما في رحلة من سجن إلى سجن، ولكننا نستأنس الزنزانة مع الوقت ونسميها بأسماء محببة.

البيت، القرية، المدرسة، الجامعة ، العمل كلها زنازن طيبة ومباركة لأجسادنا وأرواحنا المرهقة، طريق طويل للهروب من البداية  للنهاية. 

التأمل فقط هو حجة العارف، ووسيلة المفكر لمحاولة فهم الرحلة الطويلة والهروب المتكرر، واستخلاص الدروس والعبر، والتعلم المستمر وتصحيح الأخطاء.

الفهم الذي يتضح رويدا رويدا كالطريق البعيد وما أن تصل للفهم تكون الرحلة في نهاياتها وكل ما فات من أحزان كبيرة وأفراح صغيرة، وانكسارات وتخبطات ووقوف وصعود ونزول هو الرحلة ذاتها، هو المسافة بين البداية والنهاية التي قد تقصر وقد تطول.

الهروب الضمني واللهاث العابر هو الحياة ذاتها، الهروب من الذات، من الآخر، من الملل، من التعب، أو الهروب نحو  أوهام الحياة الكثيرة والمتعددة والتي هي أكذوبة السعادة النسبية والمؤقتة والتي تمنحك لذة العبور، وجماليات الحياة ومسوغات الاستمرار.

وحين تقف فجأة لتتأمل تجدك مرهقا من الركض الحافي خلف وهم التحقق، إنه العدم الذي يتربص بك من الصرخة للصرخة.

العدم الذي يواجهه البشر بالكذبات الأنيقة التي تفضي للسعادة العابرة.

يصنع الناس أوهامهم بهدوء ويعيشون فيها، يصنعون تاريخا شخصيا لأنفسهم غالبا قائما على كذبة ما، يصنعون فقاعة يعيشون فيها، فقاعة تظل أبدا على وشك الانفجار في أية لحظة ليظهر عريهم من كل شيء، ويعودون للذات يتلمظون حسرة ما قد تمنحهم الحياة فرصة لمعالجتها وقد تحين النهاية قبل ذلك.

السعيد من يدرك أن الحياة هي الآن وأن السعادة لحظة فينغمس فيها بكله، وأن حياته هي هذه النافذة فقط، وليس عليه الالتفات للماضي أو التطلع للمستقبل.

الحياة آن قليل  علينا أن نعيشه كما نريد نحن لأنه لايوجد مثال نحاكم حيواتنا ضمنه.

لنبكي متى ماحلا لنا البكاء، ولنحلم قدر ما نستطيع، ولنضحك أكثر ما يمكن، ولانكترث إلا بما يهبنا تلك الشرارة الضمنية للحب والسلام التي تجعلنا نصل للنهاية ونحن نبتسم بعد أن استطعنا عبور الطريق المتعرج في عبورنا الضمني بأكثر ما كان ممكنا من الخير والجمال والتغيير الذي أحدثناه في الداخل والخارج، في الدوائر التي تقاطعنا معها والمساحات والقلوب التي وصلت لها أيدينا القصيرة.

ونثرنا ما نستطيع من حفيف العطر وطيوفه في الذاكرات التي اتحدنا بها في عبور قصير مهما امتد، بلا شعور بالزهو، ولا شعور بالاكتمال أو الاكتفاء .

تعليقات