التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي

12_8_2021



 أخيرا قرأت " الخبز الحافي" لمحمد شكري هذا العمل السردي الذي يتنازع عليه النقاد والقراء في التصنيف بين الرواية والسيرة حسب التصنيفات الفنية الجاهزة أو المتعارف عليها.

والتي فعليا تتداخل لدرجة أنه يمكن الجزم أن لارواية تخلو من سيرة ولا سيرة تخلو من متخيل سردي وبنسب متفاوتة وربما حسب فيليب لوجون هي مساحة تبدأ من السيرة وتنتهي للرواية وبينهما أعمال ومراحل فنية وسردية، من الداخل للخارج، أو العكس من الخارج للداخل.

وبعد زمن ظلت تتناهبها الأرفف والأمكنة والمسافات استقرت في مكان أشعرها وأشعرني بالسلام والراحة لقربها مني وقربي منها في حالة من الاستقرار أو ما يشبه الثبات.

وحين بدأت ذات يوم القراءة؛ شعرت بالامتعاض من كل ذلك الانثيال السردي للجسدي المبتذل والساقط في غياب الروحي والفكري تماما فتوقفت عن الاستمرار في قراءة العمل.

ولكن أخيرا أنجزت فعلا مؤجلا لعمل أدبي يشكل قيمة أدبية وربما تاريخية في الذاكرة العربية بعيدا عن الذائقة التي تتفاوت من قارئ لآخر.

العمل هو سيرة الضياع والهامش الإنساني الذي يبدأ من الأب المريض نفسيا والذي أسهم في هروب البطل/الكاتب، والأم الراضخة للعنف المستمر من الأب حتى مع قتله لابنه وتعنيفه المستمر لبقية الأبناء بما فيهم السارد، بل وتمارس معه الحب كل ليلة وتغفر له جرائمه في مقابل اللقمة ، ولذا لن يغيب عنك أن تستحضر الفكر النسوي الذي يذكر أن النساء أحيانا تكون أكثر ذكورية من الرجال، وكثيرا ما تكون في سببا في ذلها وتعنيف الرجل لها، تماما كما تتذكر مقولة فرويد "لايحضر إلى عيادتي المرضى النفسيون بل يحضر ضحاياهم" ، كما لن يغيب عنك تذكر كافكا وعلاقته المضطربة بوالده، ليكون لدينا نموذجا شرقي_عربي تحديدا_ لكافكا في مسألة قتل الأب أو ضرورته.

يكبر الطفل الأمي الذي لايتقن العربية ويمضي في حياته تنقلا وهجرة في مدن المغرب من تطوان لطنجه وغيرها خائفا من الأب وعاملا في مهن بسيطة تدر عليه ما يساعد العائلة، مشتغلا بجسده الذي تتفتح غرائزه باكرا بجنون أمام غياب كل طاقة للحنان والدفء الأسري، ويقرر الكاتب أن يسردها بوضوح وتركيز ربما ليقدم للعمل خصوصية التشرد والضياع الذي أفضى بالجسد لذات الضياع والإغراق في الاشتهاءات والممارسات الجسدية المجنونة خاصة بعد هروبه من البيت وانغماساته الكلية في الشارع الخلفي للمدينة حيث الحانات والدعارة والخمور والحشيش وغيرها من فضاءات الرذيلة التي وجد نفسه فيها وهو يعمل أعمال بسيطة ليعيل نفسه.

يصور الكاتب حياة الليل وأهله وصخبه وسقوطاته التي أصبح جزءا منها، موضحا فكرة ابتلاع الهامش للرافضين الحياة النمطية أو اللذين رفضتهم هي ليتحولوا إلى شياطين؛ ليقرر في آخر العمل "أن الشيطان هو الإنسان" ومن مات فقد أصبح ملاكا ومن لم يمت فاته أن يكون ملاكا.

"لقد فاتني أن أكون ملاكا". 

عمل يركز على حقبة معين حيث المغرب تحت سلطة الانتداب ومتنهابة بين فرنسا وأسبانيا، وإنسانها يقتل على أيديهم من جهة ويتخبط في الذل والجوع والجهل، وفلسطين تسلب من العرب؛ إلا أن الكاتب لم يركز على ذلك كثيرا ربما ليوضح النتائج لإن السبب معروف مسبقا.

كتب العمل بلغة واضحة وبسيطة، ورسمت شخوصه بدقة ووضوح لتأثيرها في السارد الذي هو البطل، ولذا يمكن اعتبار العمل بشخصية واحدة رئيسة وشخصيات ثانوية كثيرة تبدأ  من الأب والأم مرورا بببعض أفراد الأسرة، وأرباب العمل والأصدقاء نهاية بالعاهرات والساقطين من البشر.

أما النهاية المفتوحة فربما قررت أن تفتح الذاكرة على حقبة من تاريخ المغرب سيكون لها ما بعدها.

تعليقات