فاطمة الشيدي
11_8_2021
كبرت كثيرا يا أمي، وتغيرت كثيرا أيضا؛ صرت زاهدة في كل شيء سوى الحب، صرت أكثر صمتا أحيانا، وأكثر ثرثرة أحيانا أخرى، صرت أتجاوز العثرات بابتسامة، والمنغصات بصمت، والبشر بتحية خاطفة.
صرت أدرك جيدا أن النجاحات ليست هي السعادة، وأن الكنز الثمين يسكن في روح الإنسان لا في عقله.
تطاولت على سباقات الكون، قنعت من السيرك الكبير، وحفلات التصفيق الصفيقة، والرؤوس المتطاولة لتبلغ القمة.
صرت أحب الاختباء أكثر وأتمنى لو أرجع أختبئ كما كنت في طفولتي تحت سريرك الكبير بين الفينة والأخرى.
صرت أحب المقاعد الخلفية، والبشر الذين يحبونها لأنهم الحقيقيون، وأحب السلام والعبث الذي تؤججه في روحي نبتة جديدة نضيفها للبيت، أو ضحكة طفل صادقة، أو شغابات القطط التي تتكاثر بلا سبب في بيتنا غير الطعام الموجود دائما، أو شغابات وجمال أبنائي الكبار؛ طلاب المعرفة والوعي في حضورهم الحميم في حياتي.
كرهت التعقيدات تحت أي مسمى، والأحكام تحت أي قاعدة.
صرت أحب الجمال السهل والعذب فقط، الجمال الذي ينبعث من الروح للروح في الحياة والنص معا.
أصبحت روحي اسفنجة لينة تتشرب الموسيقا التي تغمر المكان كل لحظة.
تخلصت تماما من تفاهات المنافسة، وحمى النجاح، وشراهة الطعام، تعالت روحي في الخفة، في الجمال والفن، وتصاعدت في ملكوت الرب كمتصوفة قديمة ولكن بأدوات خاصة جدا؛ أصبحت القهوة صلاة، وطريقة للتأمل والمشي كذلك.
أصبحت أقرأ رسائل الرب، وأبحث عن إشاراته، أصبحت أؤمن بالطاقة الكونية كاملة ومجتزأة.
وأعرفها في القلوب المحيطة، طاقة الخير والصدق التي تقع في شباكها ما أن تكون معها في حيز واحد، أصبحت أدرك هالة النور وأسعى لها وأتشبث بكائناتها الطيبة والنبيلة، وأفر وأهرب من ذوي العاهات الداخلية، ذوي الهالات القاتمة.
وكما كنت دائما الجزء الأول من يومي مرتبك بشجن الروح واكتئاباتها ولذا أبدده في المشي والقراءة أو في العمل، في حين يكون الجزء الثاني منفتحا بشكل أجمل على كل شيء يشبه الفرح كالرقص والغناء واللعب.
لم أستطع رغم إدراكاتي الحياتية الواضحة أن أتصالح مع النهار، لكنني أقرر بصرامة الانتباه لما يجب فيه بمسئولية وحذر من يحمل ثقلا ثقيلا على كاهله.
صار الريف لا يقل أهمية عن المدينة بالنسبة لي أنا الذي هربت منه طويلا، عدت الآن متحدة بالأخضر والأزرق كأنهما كل شيء، هما الماء والبهاء والروح، وأحلم أن أكون مزارعة في الجزء المتبقي من حياتي، أزرع وآكل وأربت على كتف حيوان أليف وأقرأ قصائدي على جمهور من الأشجار والحيوانات.
أشرق بالصمت في المقاهي كثيرا، رغم الخوف من زائرنا اللعين، الذي أحكم القبضة على كرتنا العجوز؛ بيتنا الكبير الذي لانعرف سواه من الشرق للغرب والعكس، وتأجلت مشاريع السفر حتى يغيب كي نشعر بالأمان.
أكتب كثيرا، أتنفس عبر شاسة لزقة دائما، أدون يومياتي وأفكاري ونزقي وهواجسي وأحلامي كي لا تضيع،أخشى كثيرا من النسيان، تماما كما أخاف العمى لأنهما (بسم الله علي) كما ترددين؛ عدوان كبيران لأشهى ما أملك القراءة والكتابة.
أحاول تعلم أشياء جديدة، ألعاب ورياضات وكل مافاتني بسبب لعنة الكتابة، أعرف أنني لن أنجح كثيرا، فالعلم في الصغر ، ولكنني سأحاول بإصرار وحين أفشل سأضحك منى، (الضحك مهارة جديدة أتعلمها ببطء) لأخرج من الدنيا راضية وأعود سعيدة.
هل صرت مثلك ؟ لا أعرف.
لكنني بدت أعرف جيدا أن روحي صارت قصيدة وأنني أدركت أن الحياة متوالية شعرية نحياها في الزمن كل بطريقته وفي الوقت المتاح له.

تعليقات