التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 



فاطمة الشيدي

3_7_2021


أكثر ما يشعرك بالضجر في بلادنا هو نقص جرعة الحرية والرغبة في التوحيد الفكري الكلي للمجتمع بإلغاء التعددية التي تشكل ثراء المجتمعات المتحضرة وعمقها.

فلماذا هذه الوصاية المجتمعية بأسماء شتى وصفات متعددة!!

ولماذا لا يُترك كل شخص لوعيه وفكرة وطريقه وطريقته، ولماذا لا نقبل بأكثر من طريق وطريقه ووعي ومدرسة فكرية في الحياة والثقافة والمعرفة لنكوّن مجتمعا صلبا متماسكا وعميقا!!

بالأمس خرجت علينا فتاة في حوار مطول تتهم الفكر النسوي بالتغرير بالفتيات ومنهن أختها التي انتحرت.

هي لم تقرأ حرفا في الفكر النسوي، ولم تتعرض ربما لموقف يستعديها ضد المجتمع الذكوري، ولم تصادف ولو امرأة واحدة تعاني من ظلم المجتمع وذكوره الذين يصادرون حرية النساء وحيواتهن في كثير من الأحيان، وربما لم تنتبه لأختها وماتعانيه من مرض نفسي قبل أن تنتحر كآخر الحلول، وكانت يمكن أن تجد في قلب أختها الملاذ والسلام.

كما يخرج علينا مراهقون فكريا وعمريا منددين بفكر سيف الرحبي لأن قصيدة له وردت في امتحانات الثانوية العامة.

وهم لم يقرأوا حرفا له وربما ولا لسواه خارج تلقين الصبيان وما شاكلها من كتيبات.

ولايعرفون من الحداثة وشرها سوى الاسم وبعض الأحكام الشفاهية الساذجة، ولا يعرفون من الأدب شيئا بعد العصر العباسي.

إن هذه  الأزمات الثقافية تعكس تراجع قيم الحرية في المجتمع ففي حين يبرر الإنسان لنفسه التعدي على الآخر (الأكثر منه عمقا وفكرا) ينكر على الآخر وعيه وثقافته ويلغي بجرة قلم نتاجات اشتغل عليه أزمنة عديدة.

كما تعكس تراجع الوعي بدليل ظهور أفكار الإلغاء والإنكار بديلا عن الحوار والنقاش والمساءلة. وعدم القبول بالتعددية الفكرية بل ومحاربتها بشتى الطرق وفرض الأفكار الخاصة بجماعة معينة لتكون البديل الحتمي والصورة الكلية للمجتمع.

فياله من حال محال وتراجع حقيقي وضجر مرهق!

....

 ▪️هنا القصيدة التي هوجم بسببها الشاعر سيف الرحبي

....

أخوة مجهولة

جادت بها سماء هذا اليوم،

كنتُ داخل السيارة

أمام محطة للبترول

أنظر في الفراغ والصمت

وفي الجانب الآخر

ثمة شخص داخل سيّارته أيضاً

حياني بمودة طافحة ومحبّة

حاولتُ ردّ التحيّة بمثلها

لم أتبيّنه بوضوح

كان غارقاً في نظّارته السوداء

ولم أسع الى معرفة هذا الراشح

من تضاريس الأبعاد.

اكتفيت بالتحيّة

التي تأرجحت في الهواء الجريح

لكنها شقّت طريقها بنعومة الى قلبي

دَحرَت فيالق الكآبة.


سيف الرحبي؛ شاعر عُمان الكبير ومبدعها الأهم 💙

تعليقات