التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الشعر ديوان العرب وفلسطين قضيتهم الأولى







فلسطين في الشعر العماني

وكالة الأنباء العمانية

فاطمة الشيدي 

الشعر ديوان العرب وفلسطين قضيتهم الأولى


إذا كان الشعر هو ديوان العرب فإن فلسطين هي قضيتهم الأولى؛ القضية التي يجب وجوبا حادا وصارما أن تشغل الجميع بشكل يدفع بها للعلن دائما، والشاعر بروحه المتحدة مع الكون وضميره اليقظ بالعدالة والإنسانية والمساواة لا تستطيع روحه إلا أن تتجلى فيما يكتب، ولا يستطيع تجاهل قضية عادلة وإنسانية كفلسطين.

والإنسان العماني ليس بعيدا عن هذا الجرح النازف وعن هذا الألم الدافق وعن التاريخ الذي يرام له الدفن، وعن الوطن المغتصب، والشاعر هو إنسان قبل وبعد كل شيء، إنسان متجذر في الأرض كنسغ وماء يمتص لهفة الكون وأحزان الأرض ووجعها، الشاعر قضية تمشي على قدمين وجرح يكتب نزفه، ولذا لا يمكن له إلا أن يجعل (فلسطين) قضيته ولغته وشعره ، يكتب عنها ولها، يكتب فيها كعاشق أضناه البعد وحبيب فُرق بينه وبين محبوبه.

يكتب بحب عن الحب، وبلهفة عن الضياع، وبحلم عن العودة، يكتب القضية شعرا وإنسانا، فالقصيدة لا تنتهج منهجا، ولا تستطيع توثيقا ولا تروم تحقيقا دقيقا، الشاعر العماني ككل شاعر في كل زمان ومكان يُلبِس القضية فتنة الحب واللغة لتكون حاضرة وخالدة؛ لذا نجد فلسطين في شعره دمعة أم فقدت وحيدها في غارة، وصرخة أخ فقد عضيده في سجون الاحتلال، وحجر صغير في يد طفل يتعلم المشي لا يعرف عن الوجود أكثر زجاجة الحليب وحضن الأم التي غابت عنه فجأة ذات ليلة ظلما وعدوانا على يد عدو احتل الأرض وقتل الأم، يلبسها روح عروس فقدت زوجها بقذيفة مدفع إسرائيلي ليلة العرس، وهكذا يصبح الشعر بعيدا عن الإعلان والإعلام، وأكثر من الرصاصة، وأصدق من مدفع.

إنه لا يكتبها إلا بآليات الشعر الخاصة به كالصورة الجارحة والإحساس المتلبّس بها وليس بنية إظهارها كقضية قومية - وهي كذلك فعلا-  بل لإظهارها بصورة إنسانية للعالم الذي يصم أذنيه، ويعمي عينيه، ويغلق قلبه وروحه عن كل ذلك الدم، وكل ذلك القتل والتشريد والتهجير، يكتبها في القصيدة كي لا ينسى العالم بذاكرته التي يتسع ثقيها يوما بعد يوم، يكتبها للأجيال القادمة بصورة أكثر واقعية وأكثر صدقا وتماسا مع الإنسان والدم، ولكن بفنية عالية تليق بالشعر وبجمالية مدهشة تشبهه تمنحها الانتشار والخلود بعيدا عن الجاهزية الفنية، والكلام المتاح الذي يفقد تأثيره بعد كل انتفاضة وحادثة ويصبح ميتا وغير قابل حتى للتدوير أدبيا وفكريا لأن الشعر هو صيغة الخلود لكل شيء يمسه، ولكل قضية يطرقها من الداخل للخارج ومن الخارج للداخل.

والشاعر العماني بتحديده الإقليمي وضميره الكوني كما كل شاعر على هذه البسيطة يبتكر دائما صورته الخاصة ليشعل قصيدته بالرؤى الجديدة، ويصب ملحا على جراحه الوجودية ليكتب بالدم تماما متفننا في التقنيات التي تتناول القضية التاريخية ليجعلها حية نابضة كما يجتهد ليجعلها هوية لكل ضمير حي، بعد أن تفنن العدو القادر في محاولة جعلها بلا هوية وصبغها بصيغة التغريب السياسي.

وذلك لأن الشاعر الحقيقي -مع مليون خط تحت كلمة حقيقي- هو جبهة الدفاع الأولى عن قضايا الخير والعدل والإنسانية بأدواته التي تنبثق من الضمير وتصل للضمير، وتتدثر بالبلاغة وتتصاعد في المجاز . وسيف الرحبي وسماء عيسى وعبدالله حبيب وصالح العامري على سبيل المثال لا الحصر وغيرهم من شعراء الجمال والصدق في عمان كتبوا القضايا الإنسانية وعلى رأسها قضية فلسطين الأكثر عدالة وإنسانية وبهاء.

"يافلسطين

دمعة واحدة نغرق فيها جميعا من المحيط للخليج، سكينا واحدة تذبحنا جميعا من الوريد للوريد

صرخة واحدة تشق أرواحنا ونشفق منها معا

ولكن لا عزاء لك أو لنا

فخذينا إليك

اجعلينا جرحا بين جراح أطفالك

ملحا للتاريخ الأسود

كفنا من ماء

صرخة في وجه الصمت العربي

ذاكرة من دم وتراب

حدثينا أحاديثك الراعفة بالعزة

وقصي علينا بعض القصص عما يستعصي على الفهم الآن

اجمعينا ضوءا بين رموشك

حزنا للزعتر والزيتون

صلاة للبرتقال وللبحر

قصائد من عصبية رعناء

وجهل غض أمرد

اجعلينا كلمات بلا معنى

تقول بعض الأشياء عن العروبة والدين

أضيفي لنا ما تجاسر من المعاني على القواميس كالكرامة والشرف

رددي علينا بعض الحماقات عن الوطن الأوحد والحلم الأبعد

دعينا ننام في حضنك الدامي لنحلم بالحرية

قدمي لنا دروسا حية عن القومية والعدل

اجعلي قلوبنا الممزقة بالغصة واليأس خرقا واهية

ترتقي بها ثقوبك الواسعة

أو اجعليها مناديل لدموعك

أو قبورا لشهدائك

كورينا في رحمك النازف أجنّة منتمية للرب والأرض

اجمعينا في يدك المتشققة كومة حجارة أو حفنة رصاص

أو حتى خبزا أسمر يأكله الشهداء على عجل

حررينا من العجز الذي يكبلنا

ادرئي ولو قليلا هذا الخزي الذي ينزف في أعماقنا

وابتسمي لنا بإعياء من خلف صوت الموت

وأحاديث الفناء

وغضي الطرف عن النظر في وجوهنا

كي لا تبصري الرعب والخجل القادم من وراء الشمس

ولا تسألينا من نكون

نحن أبناء التاريخ السذج

المنتمين للرب وللفكرة

للذاكرة الرطبة وللغة الخضراء

نحن العزل إلا من قلوبنا ودموعنا

وإيماننا بالخير والحق وبالإنسان"

فاطمة الشيدي

تعليقات