التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

 


فاطمة الشيدي 
8_3_2021



" وإذا كان شاعرا كان غريبا عن "هنا" . غريبا عن (أي هنا) في العالم. إنه يجاهد لينجو بلؤلؤه الشخصي رغم معرفته المؤكدة بأن لؤلؤه الشخصي قد لايساوي شيئا في السوق.

الكتابة غربة، غربة عن الصفقة الاجتماعية المعتادة، غربة عن المألوف والنمط والقالب الجاهز.

غربة عن طرق الحب الشائعة وعن طرق الخصومة الشائعة، غربة عن الطبيعة الإيمانية للحزب السياسي، وغربة عن فكرة المبايعة.

الشاعر يجاهد ليفلت من اللغة السائدة المستعملة إلى لغة تقول نفسها للمرة الأولى . ويجاهد ليفلت من أظلاف القبيلة، من تحبيذاتها ومحرماتها، فإذا نجح في الإفلات وصار حرا . صار غريبا أقصد في نفس الوقت.

كأن الشاعر غريبا بمقدار مايكون حرا.

والممسوس بالشعر أو بالفن عموما إذ تحتشد في روحه هذه الغربات لن يداويه منها أحد حتى الوطن.

إنه يثبت بطريقته الخاصة في استقبال العالم وطريقته الخاصة في إرساله. فمن الحتمي أن يستخف به أصحاب الوصفات الجاهزة، وأهل العادة والمألوف، يقولون "هوائي" "متقلب" و"لايعتمد عليه" إلى آخر هذه النعوت المرصوصة كالمخللات على رفوفهم: أولئك الذين لايعرفون القلق، أولئك الذين يتعاملون مع الحياة بسهولة لاتليق"

 أنهيت اليوم كتاب "رأيت رام الله" لمريد البرغوثي.

الكتاب الذي ظل في أدراج مكتبتي عمرا طويلا، كنت أسترق النظر إليه، وأراوده عن نفسه أقرأ فيه قليلا بين الفينة والأخرى ولكني لا أمضي معه بل أعيده لرفه وأستمهله زمنا، وأستسمحه كثيرا بسبب مشاغلي وازدحام أيامي بالعمل والكسل والمحبة؛ حتى مات صاحبه. فهرعت إليه أنا التي تحب الموتى، وتحترم التجارب المكتملة بالغياب. لذا لم أجد مبررا للبعد عنه،  فلجأت إليه لأعرف هذا المغادر الرائع، هذا الشاعر الفلسطيني المغترب، هذا اللاجئي الرافض الحانق السارد الكبير والكثير.

مضيت مع الكاتب في رحلته لرام الله، وفي حمولات رحلته الحياتية التي ضمنها مفاصل الحكاية.

كتاب وأي كتاب سيرة وأي سيرة. لقد جعلني أعرفه كأنني ولدت معه في دير غسانة، وكأنني سافرت معه لأدرس في القاهرة، ولأعيش معه في كل مهجر ذهب إليه، لأعرف عائلته كأنني ابنتهم وأعرف رضوى كأنها زميلتي أو أستاذتي القريبة والحبيبة، لأعرف رام الله بكل تناقضاتها والقدس بقدسيتها وأرضيتها، لأبكي ناجي العلي وغسان كنفاني وأخاه منيف وغيرهم من شهداء بلا ذاكرة ولا أدوار بطولية، لأخرج في مظاهراته وألعب مع تميم في حديقة بيته في بودابست وأسافر لباريس وجنيف. لأحمل القضية الفسطينية وأعرف كل شيء عنها بدقة وموضوعية نادرة جدا،  ولأعشق الشعر في القصيدة والنص السردي والحياة "في ذات الوقت".

لأراه بعين قلبي كما رأى هو رام الله وكما سيراها كل قارئ حتى آخر الزمان وآخر اللغة وآخر الحب.

تعليقات