فاطمة الشيدي
٢٨ يناير ٢٠٢١
المهنية والموضوعية والاحترافية هي ما ينقصنا كثيرا في العالم العربي، ومع وجود القلة ممن يلتزمون بالمعايير والقواعد المهنية في أعمالهم ومواقفهم من الآخر فهناك الكثير من الخلل في الطرف المقابل.
إن العلاقات العملية ينبغي أن تكون محكومة بالمنطق الأخلاقي التعاقدي، بعيدا كل البعد عن العلاقات الاجتماعية أو المشاعر الإنسانية وأن يكال كل منهما بمكيال مختلف.
شخصيا واجهت الكثير من المواقف اللامهنية مع الكثيرين، حتى قررت أن أمتنع وأبتعد عن الكثير من التعالقات الثقافية التي في الغالب يحتاجها الكاتب ليستمر ولكن كثرة الاحباطات أثمرت العزلة كأثمن الطرق للاحتفاظ بالذات نقية بعيدة كل البعد عن أمراض النخب الثقافية وأوهامهم؛ كتضخم الذات واستغلال الآخر وسطوة الشللية وغيرها مما يجعل الانسحاب للداخل القرار الأصوب والأكثر احتراما للذات.
وعبر حادثين حدثا لي قريبا تأكدت من صحة اختياري لجداري السلحفائي الواقي من أمراض الآخر، كما تأكدت من صحة ما تكوّن لدي من القناعات عن لامهنية الإنسان العربي كثيرا. الأمر الذي يجعل المرء يعلي قيمة الفردانية كحالة إنسانية قادرة على الاحتفاظ بالذات بلا تشوهات ضمن فكرة البعد الانعزالي والانتاج الفردي، وبالتالي رفض الانخراط في مشاريع جمعية ثقافية أو حتى قبول الكثير من الدعوات الثقافية التشاركية إلا ضمن دوائر محددة مضمونة الموضوعية عبر معرفة جادة أو تجارب سابقة. بل أن المرء يستشعر ضرورة مراجعة ذاته ومحاكمة تصرفاته هو شخصيا في ضوء هذه الرعونة اللاأخلاقية لأنه قد يكون ضمنها فعلا دون أن يدرك ذلك.
فكل ما لا يعجبنا من الآخر عليه أن يكون درسا مربّيا لنا ومشكّلا للوعي العميق داخلنا.
وليس إلا على سبيل المثال؛ الإعلامي الذي يلح عليك في طلب حوار أو استطلاع رأي أو تحقيق بشدة وإزعاج أحيانا ثم حين تمتثل لطلبة محبة واحتراما فقط تجده يسوف في النشر، ويسرف في الحذف والإضافة حتى لا تعرف الحوار وقد ينسى ويتجاهل حتى أن يرسل لك رابطا لتعرف موعد النشر.
والجريدة التي تتعاقد معك بإصرار حول كتابة عمود أو مقال مدفوع الثمن وفجأة توقف الدفع أو النشر دون أي تبليغ مسبق أو تفاوض ما، أو حتى إحاطة بالعلم، وبتجاهل لايليق بالمسئول أو الكاتب.
إن ما يجب أن يفهمه الجميع أن أي عمل ثقافي ككل عمل تعاقدي قائم أساسا على عقد ضمني أو رسمي يحترم كل طرف فيه الآخر، ليستمر التقدير بين الجانبين.
فالحياة عبارة عن سلسة لامنتهية من التعاملات النفعية والتعاقدات الحتمية بين جميع الأطراف شرط احترام كل طرف للآخر ولحدود مسئوليته مع تقدير المنفعة المتبادلة بين الطرفين وفق الزمن والمكان المتفق عليهما.
إن تردى الحالة الثقافية في بلداننا مردها لهاذا التهاون الأخلاقي في التعاون النفعي في العلاقات التعاقدية والاخلال بمنطق المهنية والاحترافية في كل المجالات.
ولذا فنحن هنا تماما في الدرك الأسفل من العالم.

تعليقات