فاطمة الشيدي جريدة الجريدة 15 يناير 2021
حوار سلوى محمد محمد الصادق
** د. فاطمة الشيدى .. لؤلؤة الشعر وعطر القصيدة العمانية مبحرة بزورق إلى اللامكان .. تحمل بين أناملها قلمآ تكتب به شهادة غير مسبقة.. تنتصر لحياة بعد الحياة.. الكتابة تبقى ، والشعر والرواية أيقونتها ،.. فماذا تقول ؟
شكرا لك في البدء، هذا كلام أجمل من أن يقبض عليه، أو حتى أن يصدق وإلا أصابني الغرور؛ إنه تماما كما الشعر الذي هو أجمل من أن يوصف وكل من حاول توصيفه أضر به.. الشعر بالنسبة لي حياة، إنه أكبر من النص فهو تلك التفاصيل التي يجب أن نحياها بعذوبة وقليلا ما نجيد توصيفها، أما الرواية فهو بحر لجي وضعت قدمي متأخرا فيه، فقط لأن شهوة الكتابة تأخذني نحو التجريب، التجريب الذي يقيني من الجمود في الحياة قبل اللغة، لذا فأنا أجرب دائما الحياة بتعدد الاحتمالات والنص بتعدد الأشكال.
** سيرتك الذاتية ترسم لنا لوحة إبداعية : أستاذ مساعد بقسم اللغة العربية وآدابها في جامعة السلطان قابوس، وشاعرة ، وروائية ،وناقدة ... أين أنت فى هذه الرحلة ، ماذا أخذت منك ، وماذا أعطتك ؟
لعلها جميعا محاولات للتجريب لتغيير أشكال النص الإنساني، أكتب وأعيش وأعيش وأكتب، والحياة تتضمن فعل القراءة العظيم، قراءة النص، وقراءة العالم، والوجوه والأفكار لمحاولة الفهم، وهذا ما يسميه البعض نقدا، أما أنا فأسميه قراءة، هذا الفعل المبارك الذي عبره أدرّس في الجامعة التي ماهي إلا "مجموعة من الكتب الجيدة" كما يرى كارليل، فإذا ياصديقتي أنا أقرأ في المساء وأكتب في الصباح وبينهما أرعى شئون المحبة والجمال عبر الحياة والعمل معا.
** بدأت رحلتك مع كتابة الشعر منذ زمن مبكر ، فهل لك أن تحدثينا عن البدايات ، وعن أهم الموجهات الذاتية والموضوعية والبيئة ، التى دفعت بك نحو معانقة القصيدة بدل الكتابة داخل أجناس تعبيرية أخرى لها هيمنتها على الساحة الأدبية العربية ؟
إرهاصات البدايات هي حالة ضرورية لتكوين الكاتب، ولكنها قد لايعتد بها لاحقا، كتبت القصيدة المتأملة منطلقة من علاقتي بالموروث الشعري الممتد في تراثنا الكبير، وبتحفيز من والد ينظمه، ولاحقا تشعبت مناطق الكتابة لدي في الكثير من الأجناس وحتى في عبوري لها أي الأجناس الفنية، ليظل يظل الشعر روح كل ما أكتب وخارطة كل ما أعيش.
** استوحيت فى دواوينك عبق التاريخ .. " عمان " .. مدينة النشأة ، والعلم ، والاصالة ، والتراث .. فهل لك أن تقربنا من طبيعة تمثلك الشعرى بشكل عام فى أبعادك الإبداعية المختلفة ؟
لم أكتب شعرا مدائحيا، ولكنني كتبت شعر العشق للوطن والإنسان، كتبت من داخلي على اعتبار الشعر "نافذة على الداخل" كما يقول ساراماغو، وربما كما يقول المجنون "لا أكتب الأشعار إلا تداويا" هل استوحيت روح المكان بلا شك نعم، نحن أبناء المكان، تعلقنا وتعالقنا معه يشكل خرائطنا النفسية، الجبل والبحر والرمل وهي طبيعة المكان العُماني ولذا فلا يمكن إلا أن تشكل تضاريس الروح وتضاريس النص ولكن بشكل موارب وخفي وحميم كأنه الروح.
** ولكن هناك من يؤكد أن الارتكاز على " المدينة " .. وطرازها البنائى أفسد على الشاعر جوه الحسى ؟
أعتقد أن قلب الشاعر هو مكانه، يتشكل حسب نبضه وعشقه قصائد، كما أن كل شاعر ابن بيئته من الغابات الممطرة حتى الصحاري والمدن، لايمكننا أن نقول أن لوركا ليس شاعرا وهو ابن غرناطه والسياب والجواهري ابنا بغداد ، ونزار ابن دمشق وهذا القياس على سبيل المثال لا الحصر .
** نود التعرف منك على مفهومك للحداثة الشعرية ، فى ظل تدرجك فى أدوات الشعر المختلفة ، وما الأتجاه الذى يستجيب اليوم لأفق انتظارك الشعرى ؟
هذا سؤال واسع ولكن الحداثة هي التجديد والثورة على الراكد، ولذا فكل أدب عظيم هو أدب حداثي، أفقي الشعري محدود بأناي من جهة ومتسع للكون من جهة أخرى، وبينهما آمال وانتظارات ومحبات وشعراء يأخذونني لما لايحد من الجمال والفجائيات المدهشة في المجاز وهذا هو الشعر.
** يغلب على قصائدك التركيز على هموم الناس ،وسلوكياتهم وغيرها من القضايا والموضوعات الذاتية والموضوعية .. هل لك أن تطلعينا أكثر عن تصورك وآرائك الموازية حول العديد من تلك القضايا والمفاهيم المتصلة بتجربتك الشعرية ؟
لا أتقصد شيئا فيما أكتب، ما يوخزني عميقا يدفعني للكتابة، أكتب لأن قلبي لايحتمل شعوري بالحزن أو الفرح أو الغضب أو الألم وبالتالي فكل ماذكرتِ يمكن أن يكون منطلقا للكتابة سيفر من يدي ما أن أقرر الكتابة وبعدها يأخذني لمنطقة ضوئية لم أخطط لولوجها، وهذا هو الشعر الغريب والبعيد والمتمدد خارج مساحات فكرتك الأولى.
** شاركت فى العديد من المؤتمرات الأدبية ،واللقاءات الشعرية العربية .. ماذا قدمت هذه الملتقيات للشعر والشعراء ؟
في البدء مشاركاتي محدودة وليس كثيرة فعليا، وأكثر ما أضافت لي هي لقاءات وصداقات والتعرف على أصوات جديدة وخلخلة الكثير من المفاهيم عن كل شيء وهذا يحدث لي دائما؛ تجاوز الأنا والحال، والخروج نحو أفق آخر بعيد تماما عن منطقتي السابقة في ولادة جديدة ومستمر للفكرة وللوعي يقودني إليها ارتباكي أو قراءاتي أو تأملاتي.
** استطاعت كتاباتك الشعرية أن تشد أنظار القراء والنقاد .. هل لذلك أثر على كتاباتكم الشعرية؟
ليس كثيرا، القليل من الأصدقاء والقراء فقط
** فى ضوء رؤيتكم لخصوصية المشهد الثقافى العمانى - العربى .. برأيك كيف يحافظ الشاعر على هويتنا العربية ؟
ليس على الشاعر أن يحمل صليبا على ظهره كقضية الهوية، عليه أن يكتب ولاحقا ليبحث القراء/النقاد في ما كان يقصد، وفيما ألهمه واستأثر بوعيه.
** كيف ترى قصيدة النثر .. هل تعد تطور للشعر العربى أم تخريب للمنجز الشعرى ؟
لايمكنني أن أقول الرأي الثاني لأنني أكتب قصيدة النثر، وهي جناحي الذي أحلق به في مناطق مرعبة لمن يهوى الركون والثبات.
** تعج الساحة الأدبية العربية بالأصوات الشعرية .. إلى أى مدى أستطاعت تلك الأصوات أن تخلص للشعر فى خضم أنواء مايمر به عالمنا العربى من عاصفة سياسية جامحة؟
السياسة ليست ضد الشعر والجمال، ولكنها ليست المحرك الأساس للشعر، والشعر السياسي ليس بالضرورة شعرا هابطا وضعيفا، فهناك شعراء كبار كتبوا الشعر من منطقة السياسة وأبدعوا أيما إبداع، وخلدوا به مثل لوركا، ونيرودا، وأمل دنقل ومظفر النواب وأحمد مطر، إنها محاولات مداواة الجرح بضمادة المحبة والجمال، وهذا يحسب لتلك الأصوات.
** خلال مسيرتك الإبداعية حصدت العديد من الجوائز منها: وسام الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجى ،وجائزة الجمعية العمانية للأدباء والكتاب في مجال النقد ، وجائزة أفضل إصدار أدبي في مجال النص المفتوح ، والمركز الثاني في الشعر الفصيح في الملتقى الأدبي بصحار.. ماالذى تضيفة الجوائز عادة للمبدع ؟
لم أحصل على الكثير من الجوائز، ولكن أكثر ماتضيفه الجائزة للمبدع الثقة في أن ثمة جدوى من الكتابة، ثمة قارئ ، ثمة متابع ومهتم، والقليل من المال الذي قد يدعم المبدع الذي غالبا يكون قد أصابته حرفة الكتابة، وينشر إبداعه فيقرأ له الناس، وهذا أقصى وأجمل وأكثر ما يريد أي مبدع أصابته لوثة الإبداع.
** الكثير من الفنانين التشكيليين يرسمون من وحي القصيدة، ولكن في قصيدتك، نجد أننا أقرب إلى قصيدة مستوحاة من لوحة تشكيلية؟
أشكر لك هذا الرأي وأنا سعيدة به، وأعتقد أن الأمر محض صدفة غير مقصودة، أو رأي شخصي من قارئ محب.
** الإبداعات الأدبية العربية .. لاتزال إبداعات ملتزمة يحكمها القيم الاخلاقية غير مستجيبة للأشكال الجديدة رغم نهاية القرن العشرين .. برأيك هل يعد هذا نوعآ من الحفاظ على هويتنا العربية؟
لا أستطيع أن أجزم بالشطر الأول من السؤال، موضوع الالتزام، والقيم أمر نسبي جدا، ولذا فهناك التزام فني، والتزام اجتماعي وإنساني، وهناك قيم فنية، وهناك طبعا ودائما طفرات إبداعية، وهذا ما يجب المراهنة عليه والانتباه له.
** كيف تنظرين إلى قيام النقاد بتقسيم الشعر إلى مراحل : " شعر الستينيات، و السبعينيات، و الثمانينيات " ؟
هذه إحدى التصنيفات الزمنية وهي شكلانية بمعنى أنها ترتكز على المشترك الفني، ولا تركّز على الخصوصية والتمايز وهي ميزة المبدع الأهم.
** ماهو مشروعك الشاغل الآن ؟
لدي مشاريع كثيرة ودائمة، ولدي مقال أسبوعي وبالتالي فأنا أكتب إذا أنا موجود.



تعليقات