مقامات
جريدة عُمان_ثقافة
14_12_2020
فاطمة الشيدي
أصدقاء الموسيقا ..أصدقاء الحياة
1. خالد الشيخ
أخذني صوته كشراع منتفخ باكرا وجعلني مهيأة تماما للإبحار في الموسيقا والنص المختلف، كنت يومها ما أزال على مقاعد الدرس والجهل في قرية لا تتذوق المختلف ولا تباركه ولا تستوعبه.
خالد الشيخ بصوته الدافئ كغابة والعذب ككمنجة والمالح كبحر، المحمل برنين أصداف تشكل خشخشة عذبة كخلفية لذلك الصوت الذي يمتص منك الحنان والحنين، ويجرفك على هاوية الفرح بقدمين عاريتين تتذوق بهما طعم الحياة وتستشعر لذة فرح قديم، ولثغة طفولة غادرتنا سريعا ولما ننتبه.
كان في صوته خلاخيل امرأة غجرية تسافر مع الريح وتفرد ضفيرتيها كشراع للقادم. خالد بقديمه الجديد كوجه البحر الأزرق، الصوت الذي يحولك لطفل في غمضة عين وانتباهتها فتخلع حذاءك وتهرول نحو البحر لتستمع لهسيس الأشرعة ولصوت الموج ولتجمع الأصداف لحبيب بعيد.
الصوت الذي يعلمك كيف تتذوق الحرية والحياة والحب بلا ألم، يجعلك تحب بلا ألم، وتتألم بلا ألم، الصوت المفتوح على الاحتمالات فقط، لا يتقدم بثقة ولا يتشدق ولا يباهي، بل يقامرك بالحنين والرعشة، وكبحار لا يأبه لشيء سوى أن يطلق روحه وأشرعته للبحر وللسماء يجيء خالد الشيخ أبدا ليستوي بينك وبينك حد أن يعربد في خلاياك لتتلاشى فيه قطرة قطرة، تمتزج به تماما حتى تصبح به لحنا، كلمة، صوتا مختلفا وفقط.
لقد كان حضور خالد الشيخ كمنجة لها لثغة العصافير وبلاغة الطفولة وتقاسيم الملح والفرح في دمي، وكان أغنية على أوتار الأجساد المسترخية على عشب الغابات الآدمية المطرودة سلفا من بهرجة الفوضى وضجيج الكون، والأرواح المستوية بالصمت والأسئلة بعيدا عن الثغاء والضجيج، كان حنجرة ثرثارة بالخضرة الموغلة حد الجرح، وصوتا مالحا يتسرب لداخلك تماما، وهو في ذلك لا يحتاج تأشيرة دخول، بل بهدوء تام يسكنك من مسام الجلد حتى سويداء الروح وأنت تبتسم.
وأنت تستمع لخالد الشيخ تشعر بالنصر، نصر على القبح والعادي والباهت من الحياة، بل لكأن شيئا منك ينتصر على شيء منك. صوته يعيدك إلى الغائب منك، كقهوة تسري في جسدك، لتصيبه بالانتعاش، باليقظة، يصل لروحك تماما مباغتا سأمك الوجودي المستمر بالجمال والدهشة.
٢. أنغام
عرفت أنغام مع تفتح الحواس، لم يكن الأمر في البدء لجمال صوتها، بل لشكلها. حيث ذلك الشبه الذي يبادرني به كل من يراني خاصة المعلمات المصريات في المرحلة الثانوية، مع زميلة أخرى كانت فعليا الأكثر شبها بها مني، وكانت المعلمات تخلط بيننا أيضا عذراء فاطمة، وفاطمة عذراء.
الأمر الذي جعلني أحبها وأتتبع جديدها، بل وكنت أحاول أن أقلد حركاتها في أغنيتها الطفلية العذبة "يادنيا هدي بلاش تمدي" لاحقا تذوقت حلاوة صوتها وحساسيته وصدقه حتى تشربته بلذة وعمق، وأعجبت باختيار كلماتها وألحانها وقربها من الروح، فاستمعت واستمتعت بمعظم أغنياتها، تلك الأغنيات التي تجعلك تعلّق أحاسيسك عليها فرحا وحزنا وعشقا وشوقا فأصبحت من خياراتي الفنية الدائمة ومن الأصوات المفضلة لدي.
كما أستمر إعجابي بشكلها ورقيها وبحريتها في الاختيار في حياتها الخاصة وتجاربها الإنسانية النزقة أحيانا كثيرة والتي قد تثير سخط البعض وتجعلها موضع انتقادات إعلامية كثيرة، ولكنها تجعلني دائما أعجب بحبها للحياة وذهابها وراء المغامرات والتجريب وكأنها تقول وهل الحياة إلا مجموعة من التجارب والمغامرات و"محدش واخد منها حاجة" ولكن طبعا مع احترام نفسها وتجربتها الفنية، ولذا لا تخوض أنغام في الكثير من الترهات الإعلامية والفوضى والعبث وتؤثر الصمت وتؤكد على حريتها الشخصية أبدا.
نعم أحب أنغام وصوتها وفنها وكل ما قدمت وأجدها امرأة جميلة وحرة تستحق الاحترام، وكتلة مشاعر حية تخرج في صوت عذب ومبهر يسكنك لفترة طويلة ما أن تستمع له وتركن إليه. وأعتبرها صديقة من أصدقائي، تسكن وقتي، وترافق بعض أيامي، وتحفّز عطائي وتسند مشواري في الحياة بلذة وعذوبة، وتأخذني كلما استمعت إليها نحو البعيد من الحب والحياة والشغف
٣. بليغ حمدي
منذ البدء وأنا لا أدرك الأشياء إلا شعرا، وهكذا تماما (شعرا وسحرا) اصطدمت بألحان بليغ _ الذي له من اسمه كل نصيب_ ذات يوم، بقوة جبارة وحنونة معا تشبه حنجرة أم كلثوم، وصوت وردة المتهدج بالحب والحنان، وتشبه الغائر والعميق من كل شيء؛ فحدث داخلي ذلك الارتطام الهائل، ذلك التشظي الذي يشبه الحب ويشبه الألم، ويشبه الشعر والموسيقا معا، فشعرت بالألم الذي هو جوهر الإبداع.
أوجعني كل ما لحّنه بليغ، جرحني حتى العظم كل ما قدمه في الحب، وكل ما قدمه كان في الحب؛ حب المرأة، وحب الوطن، وحب الكون، كل جملة لحنية صاغها بليغ هي جرح مفتوح على المدى الواسع، وكل موسيقا أسكنها الأغنية هي وجع يخترق الروح، وشجن تذوب فيه الحواس برقة جارحة.
أحببت بليغ العاشق الذي صاغ الألحان من كبده مباشرة حتى مات بداء الكبد، وعشقت بليغ العاشق حتى الروح والعصب والجسد، وشغفت ببليغ الهائم الغائب، المجرب الصامت، الحزين العبقري المجنون، المبدع بكل تجليات الإبداع، المتفرد بحساسيته الخاصة وجنونه العظيم.
إن أجمل ما يمكن أن يقال عن بليغ هو ما يمكن أن يقال عن معظم الطفرات الجبارة في تاريخ الفن الإنساني بكل مجالاته وأشكاله، عن المبدع المتفرد الذي ينحت عقلُه جسدَه، عن تلك الأرواح المعذبة الحزينة الهائمة المتخبطة التي تأتي للوجود غريبة وترحل غريبة، بعد أن تضع بصمتها الخالدة في مجالها، البصمة التي لا تشبه سواها، ويفنى فيها صاحبها مرة واحدة، ويصبح هو هي، وهي هو ولا فارق بينهما ولا مسافة.
هكذا هو بليغ الموسيقي العبقري، فنان متفرد لا يشبه غيره، روح موسيقية محضة تنحت الموسيقا من الروح وتسكنها في الروح، تستل مفرداتها من الألم وتحفرها في الأوردة بدم، تشتق الجملة اللحنية من الغياب والصمت وترفعها، وترفع بها السامع إلى شواهق الماوراء؛ فيحلق معها، ولا يعود إلا متحدا بها، متوحدا معها، ذائبا فيها منكسرا عليها.
وهنا يدرك المتلقي أنه يستمع للحن عبقري وأغنية مهما تغير الصوت حجزت لنفسها مكانا في الزمن خلودا على مسافة لا بأس بها من الجميع علوا وفرادة.

تعليقات