د. فاطمة الشيدي
جريدة عمان /ثقافة
11_1_2021
لدينا أربع وعشرون ساعة في كل يوم؛ نقضيها في شتى الأعمال التي هي في الغالب واجبات وحاجات خارجنا، وهي الزمن الذي يتسرب من بين أيدينا بلا كثير تأنٍ أو تفكير. ولذا علينا أن ننتبه للزمن، هذا المكان السائل، هذا الجسد الكبير الذي نحن ضمنه وهو ضمننا.
وعلينا أن نجد عبره متنفسات ورغائب أرواحنا وأجسادنا، عبر وقت مستقطع يساعدنا على الحياة والعطاء، أو على فهم أنفسنا أو تحقيقها للاستمرار بتعب أقل وفرح أكثر. لذا علينا أن نسأل أنفسنا ماذا نحتاج من الزمن؟ أو ماذا ينقصنا من الوقت؟ وكم ساعة نحتاج لنا خارج الساعات المرهقة الذي نشتغل فيها بهمة، وخارج الوقت الكثير الضائع والمتسرب منا الذي نتحرك ضمنه ننام بلذة ونعتاش بهناء أو نكد. كم ساعة نحتاج لنا، لنكون أكثر بهجة ونشاطا، لنكون نحن كما نحب!
أسأل نفسي هذا السؤال كل عام، وأجيب عليه، لاستثمر الإجابة، فأحب ذاتي أكثر ضمن الوقت المستقطع لي. لقد أدركت بعد تجارب وخبرات أعوام كثيرة أنني أحتاج ثلاث ساعات لي وحدي، ثلاث ساعات أحيا فيها ذاتي، وأفهمني وأتحد بي وأتصالح معي، وألتذ بمعنى الحياة كما هي بالنسبة لي.
أحتاج ساعة أولى للكتابة وهي ساعة صباحية أفتتح بها الزمن، ساعة يكون فيها ذهني صافيا ووجداني ناصعا، ووعيي كاملا بعد نوم هانئ وشرب القهوة. ساعة أرتب فيها أفكاري، وأستمطر لغتي على الصفحات في أشكال متباينة مقالات ونصوصا، وهذه الساعة مقدسة وهامة، حيث أخرج منها ممتلئة بالجمال والفرح والحياة لأن الكتابة بالنسبة لي معادل شرطي للحياة. ساعة ستثمر كتبا لاحقا، وتهبني طاقة الفرح والحياة آنا.
وأحتاج ساعة ثانية للقراءة تكون غالبا مسائية، ساعة مُلزِمة كي لا يسرقني الوقت، وقد تتخلل اليوم قراءات ما، ولكن هذه الساعة هي وقت محدد ودقيق للقراءة. فالقراءة بالنسبة لي حاجة أساسية، فهي سفر للعقل والمخيلة نذهب معها بعيدا في الأزمنة والأمكنة، وهي شرفة تنفتح للروح لتنضج وتتجدد، فنصبح أكثر من فكر، وأكثر من وعي ومن خبرة وتجربة.
فعبر القراءة نتحد مع وعي كل من سبقنا، ونمحص أفكارهم ونحاكم واقعنا، وعبر القراءة نتجاوز زمننا والآخرين، فهي تجعلنا أوسع وأثقل وأجمل وأكثر احتمالا للترهات الواقعية، والحماقات اليومية.
وساعة ثالثة هي ساعة الرياضة، وساعة الرياضة هي وقت مستقطع للنشوة النفسية والعلاج الجسدي وهي ضرورة يومية وحاجة للغفران والتأمل والذهاب بعيدا.
فالمشي بالنسبة لي إعادة صياغة للزمن وللذات، عبره أنفث كل الطاقات السلبية، والمشاعر الضارة كالغضب والكراهية والتعب، وأعود حرة ونقية وصادقة، أعود ممتلئة بالخير والفرح والجمال. المشي بالنسبة لي هو مولّد الأفكار، ومنقّي العقل، ومصفّي الروح. فعبر المشي أستعيدني كما أحب خفيفة مرحة نضرة وأنظر للأشياء بهدوء ومن عدة زوايا.
وهكذا قررت كل يوم أن أتحصل على حصتي من الوقت، وأستأثر بزمني الخاص وساعاتي الثلاث كاملة بعيدا عن الآخرين مهما كان قربهم، وعن الأعمال مهما كانت مهمة؛ لأصبح أقوى وأهدأ وأكثر إيجابية وعطاء. إن وقتنا الخاص وزمننا المستقطع هو دافع للاستمرار بشكل أجمل، فلنحافظ عليه لنكون كما نريد.
إن علينا أن نحيا الحياة بافتتان وشغف؛ أن نعمل بإخلاص، ونحب بصدق، وننتبه للجمال والفرح والعمل المثمر ونشارك الآخرين في الخير والمحبة والجمال؛ فنفرح لمن يصدر كتابا جديدا، ولمن يحتفى بأطفاله، وصورهم التي تشرق بها الروح، لمن يتخرج أو يحصل على شهادة جديدة هو أو من يحب، لمن يتزوج، أو يحتفل بأعياده وأعياد من يحب. لمن يسافر ليعانق الحياة خارج أقفاصنا المحكمة، لمن يشاكس الوجود بفعل جارح بين فينة وأخرى، كأن يخسر وزنا، أو يدخل مغامرة أو حتى يشتري حذاء رياضيا ليبدأ المشي، لمن يحمل السلم عرضا ويضع شوكة في عين التخلف والجهل بالفعل لا بالكلام حتى ولو كان الإعلان عن ذلك عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
علينا أن نتشارك الجمال مع من يحتفي به بأغنية، بفيلم، بكتاب، برصيف، بفكرة، أو بصرخة رفض تستبدل ثياب الثرثرة بالعمل لتقول (لا) بطريقة جديدة، نعم، لقد تعبنا من الكلام، وصخب النباح، وعويل الفوضى.
تعبنا من الادعاء علنا برفض ما نمارسه سرا، بأن نكتب عن الحريات مؤيدين علنا، ونمارس القهر والظلم سرا وعلى من نحب. وممن لا يجيدون التغيير وينتقدون الآخر، ممن لا يعتنقون مبدأ "كن أنت التغيير الذي تريده من العالم"
تعبنا ممن يتقدمون مدافعين عن الحقوق وهم أول من ينتهكونها، تعبنا من شعراء داخل النص، وكتاب خارج الحياة يحيون في أبراج عاجية أو بيوت زجاجية أو خرائب خفية تعج بالأوهام والمشتتات. أصبحنا نريد حقائق تدحض النفاق الجمعي، وصدقا يخدش جدر الكذب المحكمة، نريد دينا هو الإنسان والحب والصدق.
نريد مجتمعات نقية من النمائم والأكاذيب والأحقاد، تقول للمخطئ أخطأت وللمصلح بوركت، مجتمعات لا تأخذها الشكوك والريبة في كل شيء وفي كل أحد حتى لم نعد نثق حتى في خيالاتنا، نريد أفعالا ننشرها ونعلّمها ونحتذي حذوها، لنقدم دروسا عملية للآخر، لنحتفِ بإنجازاتنا، بأحلامنا وبأوهامنا إن استدعى الأمر، لنحلم بالمستحيلات ولنصدّق أنفسنا علنا نحققها ذات يوم، لنؤمن بالإنسان خارج اللون والجنس والعرق.
ولنذهب في عمق وجعنا وننبش جراحنا، لنواجه أنفسنا بعجزنا وكذبنا وأوهامنا، ثم لنواجه الآخر، لنصفق وجه الكاذب بكذبه، ولنهجر المنافقين، ولنقل للجميع أنت حر ولكن لا تجبرني على تتبع خطواتك دعني أؤمن بروحك القريبة من الله والمتجلّية فعلا وصدقا وعدلا، دعني أرى تعاليم الدين في سلوكك وليس في مظهرك. دعني أرى وعيك وفكرك في فعلك وليس في أقوالك، في مواقفك وفيما تدفعه نظيرا لها.
لنتعلم كثيرا، كل ما نستطيع من لغات، ومهارات، ورياضات. ولنحدد لأنفسنا أهدافا وجداول انجازات. لنعلّم أطفالنا الحب والصدق والنظام ومحبة البشر والحيوانات والأوطان، واحترام الآخرين ومساعدتهم، واحترام المكان.
ليكن المثقف حرا يؤمن إيمانا راسخا بحق الجميع في الحياة وفي حرية الرأي مهما كان هذا الرأي. كما عليه أن يجرِّم كل من يصادر أحد هذين الحقين بأي طريقة وفي كل زمان ومكان. فالحياة والحرية حق لكل إنسان مهما اختلفنا معه أو مع فكره.
أما إذا دفع المرء حياته ثمنا لحريته أو لرأيه فإنه يصبح رمزا خالدا يستحق التقديس مهما كان فكره. في حين يتحول كل صاحب سلطة لدكتاتور وطاغية بمجرد أن يسلب حق إنسان في الحياة أو في الحرية. لا فرق في ذلك بين أحد.
وكل من يدين صاحب رأي أو يبرر سجنه أو قتله فإنه يستحق ذات المصير يوما ما، كما يستحق وقوف فئة ما مع سلبه حقه في الحرية أو في الحياة.
فالأفكار الكبرى والثوابت الراسخة لا تتجزأ والقوانين الكونية تقول ما تفعله يعود إليك من خير ومن شر ومن جمال ومن قبح.
لنحتفِ بوجودنا على هذه الأرض، ولنشجع المبدعين، والمخترعين، ونكبِر ونعلي كل مخترع ومكتشف ونعينه ونساعده، ولنفعّل قيم الحب والخير والصدق والحرية، ونشيعها، ونحث عليها لنصبح مجتمعات خيرة، وحقيقية، لنبدأ من أنفسنا ومن دوائرنا الصغيرة لتكبر الدوائر وتتغير مجتمعاتنا لتدخل رويدا رويدا في دوائر الحضارات الإنسانية بأخلاقها ومنجزاتها الفعلية فلقد أرهقنا الثبات وأوجعنا التراجع المستمر في قيم الإنسان وفي سلم الحضارات.

تعليقات