مقامات
فاطمة الشيدي
جريدة عمان _ثقافة
2 نوفمبر 2020
لا يستطيع أحد ممن يمتلك حسا إنسانيا سليما إلا أن يرفض فكرة قتل المعلم الفرنسي بتلك الطريقة البشعة من طالب يفترض به أن يقدم له التبجيل والتقدير والتقديس، تماما كما تعاطف البشر في كل مكان مع ضحايا حادثة التفجير الإرهابي البشعة للصحيفة الفرنسية شارلي ايبدو في الحادثة التي يمكن اعتبار الحادثة الأخيرة امتدادا لها، كما لا يستطيع إلا أن يقلق من تصاعدات الحالة الظلامية باسم الإسلام والقائمة على المصادرة للحرية والفكر بسلاح الموت بسهولة ويسر؛ ولكن في المقابل لا يستطيع كل من يملك حسا ثقافيا ووعيا عميقا بالإنسانية والحرية معا تقبل فكرة نشر تلك الصور في الحادثة الأولى أو الثانية على أنها حرية محضة، أو رأي خالص، واستبعاد فكرة قصدية إهانة رمز مقدس لثقافة عريضة من العالم بهدف احتقارهم واستفزازهم في ذات الوقت، بالإساءة لأعلى رموزهم المقدسة بعد الله، والذي يمثل (أي النبي محمد) المسلم العلماني، والمفكر الحر، والمثقف والعالم والفيلسوف على مر العصور، أكثر مما يمثل جماعات متطرفة، وأفكار رجعية تنسب للإسلام ظلما وعدوانية وجهلا، سيما وأنه (أي فعل الإساءة) أصبح فعلا سياسيا _يصدر من أعلى سلطة في الدولة_ أكثر من كونه ردة فعل، وأنه أصبح فعلا منتجا للإرهاب في حالة من الفعل وردة الفعل بين الجماعات المتطرفة في الجهتين وأنه يستفز الضمير الجمعي في اتجاهين ليصبح حالة انتقام وثأر ودفاع عن الذات في نفس الوقت.
وكان الأولى لبلد ديمقراطي عريق مثل فرنسا تفهم محدودية جمهور الفعل التطرفي وممارسيه ومؤيديه، واحترامها للثقافة الإسلامية على قدم المساواة مع كل ثقافات العالم، من منطلق احترام الإنسان ومعتقداته وحرياته، وعدم المساس بها، سيما في مجتمعات تعيش بتقاليد إنسانية وثقافية قائمة -ولو في الإعلام- على التعددية واحترام ثقافة الآخر والبعد عن التمييز والإقصاء.
ولا عجب أن حظيت هذه الحادثة باهتمام عالمي عام، وعربي إسلامي خاص، فشغلت الدنيا، وتصدرت وسائل الإعلام الرسمي، والرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي ، وتباينت ردات الفعل حولها بين غضب ورفض، فالمسلم في مشارق الأرض ومغاربها لا يستطيع إلا أن يشعر بتلك الوخزة الحادة في روحه ووعيه وثقافته وضميره، وذلك الشعور بالإهانة والضيم، وأنه مستقصد في مقدساته وثقافته ورموزه الروحية، من أنظمة تقدم نفسها على أنها تعيش في حرية ووعي، ولا يستطيع أن يعتقد إلا أن هذه الإهانة للضمير الجمعي العربي والمسلم قادمة من منطقة استصغار الآخر، وليس من منطقة الحريات العامة كما في البدء من الصحيفة التي صدرت القضية للعالم على أنها قضية رأي.
إلا أننا ندرك جميعا أنه ليس بمقدور أي مؤسسة إعلامية أو ثقافية أو أي شخص في فرنسا أو خارجها مجرد التلميح لرمز ثقافة أخرى كاليهودية مثلا، المحمية بقانون غربي "معاداة السامية" والذي يوقع بالفرد أو بالمؤسسة أشد أنواع العقوبات والغرامات، بمجرد التلميح بذلك وليس الإهانة المباشرة، وهذا تماما ماتجنبته صحيفة شارلي إبدو _التي تسببت في هذه الأزمة 2015_ بطرد أحد أبرز الصحفيين فيها بسبب كتابة مقال عن ابن ساركوزي التي قرر اعتناق اليهودية قبل الزواج من خطيبته اليهودية، والذي انتصر له القضاء لاحقا.
وبالتالي ففكرة الحرية المطلقة التي تدعيها فرنسا والجريدة ولم تتورع ضمنها من استفزاز الثقافة الإسلامية في الشرق والغرب بلا ترو وتعقل وتقدير للآخر المختلف؛ لم تكن موجودة وهي تطرد صحفيا مهما من عمله خوفا من ردة فعل الثقافة اليهودية المتنفّذة في الغرب، بل كانت في غياب تام، وحضور للقمع والقهر، وكأن للحرية وجوه عدة، وهناك أنصاف حقائق وأنصاف حريات تتعامل بها الثقافة الغربية الإمبريالية/ الرأسمالية مع الإنسان والثقافات والحضارات حسب قوتها وحضورها، وحسب فكرة الخوف وحسابات الربح والخسارة.
فهل استحقت الصحيفة ذلك الجزاء والتنكيل المتطرف، لتطرفها المقابل في التعامل مع ثقافة الآخر؟ وهل استحق المعلم هذا الجزاء؟ وهل استحق الأشخاص الذين كانوا يتقربون للرب في سلام وروحانية محضة الموت بتلك الطريقة البشعة!؟ بالطبع لا، ولا يمكن للإنسان العادل والعاقل قول ذلك، بل كانت هناك ألف وسيلة يمكن للمتطرفين المنافحين عن النبي وعن الإسلام استخدامها في الرد على الإساءة كالمظاهرات والكتابات وانتقاد المجلة ومن يؤزرها والتنديد بتلك الصور المسيئة، وغيرها من وسائل حضارية وثقافية، فالثقافة فعل وردة فعل موازٍ لها، مهما تعددت مستويات جمالياتها أو قبحها، ولا تصل لمستويات القتل والتصفية الجسدية، بل تظل محكومة بأخلاقيات الثقافة القائمة على الوعي والقيم.
إلا أن السؤال الذي يطرح نفسه، ألم يكن ماحدث من المجلة ومن كل من نشر تلك الصور المسيئة للنبي بعدها كالمعلم؛ تطرفا قبيحا، وعنصرية مقيتة واستخفافا بثقافة الآخر، وألم يكن هؤلاء جميعا يدركون النتيجة القصوى من هذا الفعل القبيح، وقد سبق وكانت هناك نتائج مماثلة، وليست بعيدة عنها في التاريخ أو الجغرافيا؟! أم أن استفزاز الذاكرة الجمعية للمسلمين هو هدف غربي مستمر ومتحرك بكل الاتجاهات في انتظار ردة الفعل الباهظة - من مجموعة متطرفة، تنظر للأمور بزاوية واحدة ولا تمثل إلا نفسها - لبثها ونشرها والتصفيق لها، لتمكنها لاحقا من تعميم أحكامهم الجائرة والأحادية على المسلمين.
إن التطرف يحرك التطرف المقابل، هذه حقيقة تاريخية على العالم والغرب تحديدا اليوم استيعابها جيدا، فالتطرف باسم الحرية ينتج التطرف باسم الدين، وكلاهما لا ينتجان غير المزيد من العنف والدم والخراب في عالم يعيش في قلق وقلاقل واسعة وممتدة أصلا، وسبق تجربة هذه التحرشات الغربية برموز الثقافة الإسلامية واختبار نتائجها الحادة على العالم شرقه وغربه إنسانه واقتصاده، منذ زمن وفي أكثر من بلد، وعلى أكثر من مستوى دينيا وثقافيا وسياسيا.
فلماذا يتم معاودة نشر تلك الصور المسيئة للنبي محمد مرة أخرى بعد تلك الحادثة! حتى الآن، وممن يدعون العلم والثقافة والوعي! فهل هي حالة انتقام وثأر، ورفع الصوت باسم الحرية المتجاوزة للآخر، للبرهنة على ثبات الموقف وقوته؟ أم هي مجرد مماحكة طفلية من دولة عظمى ومن بعض من يفترض أنهم من مثقفيها -وبعضهم ضمن الثقافة الإسلامية أيضا - وجميعهم يدركون جيدا الحرارة العاطفية لهذه الثقافة فيما يتعلق بالمقدّس الديني، ويعرفون عمق تأثير رمز ديني كالرسول محمد في ثقافة الشارع والإنسان، ليقدموا على تكرار الموقف القبيح بلا تقدير أو حكمة يفرضها الوعي، وتعمقها الثقافة كقيمة إنسانية كبرى تربط البشر، وتوسع نظرة الإنسان للكون والحياة، والمفاهيم الكبرى كالحرية والعدالة والتعددية والاختلاف.
لقد وقف العرب جميعا مع الضحايا حين حدث ذلك العدوان الإرهابي في صحيفة "شارلي ايبدو"
وخرج الساسة العرب والمسلمون في مسيرة تضامنية عالمية رافضة نظمتها فرنسا، لتكون أشبه بمسرحية كونية تاريخية عظيمة، اشترك فيها الجميع بما فيهم القتلة والمجرمون، ورؤوس القمع العربي الذين ترزح شعوبهم تحت منظومات قهرية بكل المسميات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية، وتناسى الجمع شهداء الاحتلال في فلسطين والأسرى في سجون المحتل حيث كان القاتل يستعرض أنيابه وأظفاره بينهم على شاشات العالم، وأمام ماكينات الإعلام الحقيرة والكاذبة، والخادمة للرأسمالية الكونية التي فرغت الإنسان من إنسانيته وحولته لكائن حقير لا يشعر بما حوله إلا ضمن مصالحه الشخصية، كما تناسى الناشطين في السجون العربية من الماء للماء، اللذين يتم التنكيل بهم بلا رحمة، ولا احترام لمفاهيم العدالة والحرية التي كانوا يرفعونها أمام العالم في مسرحية هزلية والكثيرون منهم مازالوا يدفعون ثمن إيمانهم بالحرية بالسجن والجلد والموت في السجون العربية كعقوبات جائرة لجرائم ملفقة باسم الدين والسياسة معا. في فعل قمعي مستمر ضد كل الحريات.
واليوم يعلن الجميع تضامنهم مع الضحايا من طرف واحد، في حين يغضون الطرف عن الطرف الآخر الذي ينكّل به ويقتل أمام شاشات العالم بخبر طفيف يمر بهدوء في شريط الأخبار أمام أنظار الجمع دون انتباه من أحد، كما يتسابق المثقفون للتضامن مع فرنسا ورفض حالة التطرف من جهة واحدة، وينسى الجميع من صنعوا القتلة بمأسسة الدين، وتربية الجهل وصناعة الإرهاب كبديل للحرية والوعي مما يدل على أن العالم يكيل الحرية والعدالة والحقيقة بمكاييل مختلفة.

تعليقات