التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

نوفمبر 2020

 



مقامات

فاطمة الشيدي

 جريدة عمان (ثقافة)

30 نوفمبر 2020


1.

في هذا الأسبوع حدث حدثٌ جلل هز العالم ألا وهو موت ماردونا، نعم مات مردونا وحزن الجميع عليه وأنا منهم، فلقد أحببت هذا العبقري المجنون طويلا وكنت من معجباته البعيدات، الغريب في الأمر أنني كمعظم النساء لا أحب كرة القدم، ولا أتابع مبارياتها، ولا أحفظ أسماء اللاعبين والأندية، ولست مهووسة بكل ما يتعلق بها ولكنني أحببت ماردونا، وشجعته، وهتفت لأهدافه بحماسة وشغف، أحببت لعبه وطريقة مغازلته للكره كعاشق ولع بحبيبته. لم يكن ماردونا يلعب بل كان يكتب شعرا على جسد الملعب، ويعامل الكرة كامرأة أو كطفل بين يديه. 

وكنا في أزمنة القلة، أزمنة الوضوح في كل شيء، في الإبداع، وفي الجمال والقبح، وكنا نقدّس مبدعينا حتى بأخطائهم، وكان هو مبدعا. جميلا وبسيطا، كان يشبهنا بأخطائه الجسام، بتهوره وجنونه، ويشبه المجانين والشعراء، وكنت ومازلت أنتمي لهؤلاء المبدعين في كل شي من الشعر حتى كرة القدم، هو منهم، وهكذا عبر الحياة حقيقيا، صادقا، مجنونا، مجربا، بسيطا، ثوريا، هامشيا، وتفاعل مع كرة القدم والحياة كنص ينبغي الخروج عليه والعيش بعيدا عن متنه.ليسكن الفكرة لا الكرة. لروحه الرحمة والسلام.

(2)

 أنهيت قبل فترة وجيزة رواية "زهور تأكلها النيران" للكاتب السوداني أمير تاج السر. الرواية تحيلك مباشرة على فكرة أن الرواية وثيقة تاريخية، وهي مادة جيدة للتأريخ الاجتماعي، وللدراسات السيسيولوجية، وكنت بهذه الرواية أدلف للأدب السوداني البعيد نسبيا عن القارئ العربي إلا من شهرة الطيب صالح، وعبرها أتتبع أدب أفريقيا أو دهشة القادم من هناك غالبا، فتتبع الدهشة عبر البعيد والغريب والغرائبي في الأدب كما في الحياة هو سر شغفي ودهشتي بالحياة وكل عوالم الفن والجمال التي أحاولها أبدا.

والرواية تدور حول سرد "خميلة" أو "النعناعة" (لاحقا) لحالها وحال النساء المزري الذي آلت إليه من أسر وسبي وانتهاك إثر احتلال جماعة اسلاموية تحت حكم "المتقي" وأزلامه، لبلدة مسيحية. 

الرواية ليست كبيرة في حجمها، وليست مدهشة جدا في موضوعها الذي بات معروفا عن هذه الجماعات ودينها وديدنها، ولكنها تعمق فكرة أهمية الرواية في التوثيق الاجتماعي للأزمات والمنعطفات التاريخية، خاصة في البلاد العربية الحافلة بتاريخ المتناقضات والرعب الاجتماعي والسياسي والديني.

وكامرأة ما أن ما انتهيت من قراءة الرواية حتى شعرت بالحزن يأكلني، فالمرأة -الكائن الأضعف- هي الضحية دائما؛ ضحية الرجل، وضحية المجتمع، وضحية الدين الذي يقدم باسم الرحمة، وضحية النساء أحيانا كثيرة.

كنت أفكر في نساء هذه المنطقة التي ماتزال تئد بناتها، وكيف يمكن أن تقرأ الأجيال الجديدة هذه الرواية وغيرها من روايات الموت والقتل والوأد المتجدد، لذا خرجت منها وأنا أردد مع مايا أنجيلو "شاقة هي المهمة عندما يولد الإنسان امرأة"

*

لا يمكن بعد مشاهدة فيلم Inferno إلا أن نستحضر حياتنا مع فيروس كورونا، الفيلم الذي يقوم على عبقرية النص الروائي الحاذق لدان براون، النص الذي يجمع بين الواقع والفن والتاريخ ويعيد قراءة جحيم دانتي في سرد غرائبي تجريبي فنتازي يأخذك نحو البعيد في الزمن، والمكان المتعدد (فلورنسا، وفينيسيا واسطنبول وجنيف)، منطلقا من حكاية واقعية لشاب عبقري مضطرب نفسيا يخشى انهيار العالم لفرط زيادة عدد السكان، فيقرر أن يخترع فيروسا يقضي على نصف سكان البسيطة، وتحاول منظمة الصحة العالمية الحيلولة دون تفشي هذا الفيروس وبالتالي تقوم بالتعاون مع (روبرت لانغدون) العالم في الفن والآثار والتاريخ ليحل الشيفرة التي تركها الشاب عن مكان الفيروس بعد أن انتحر هربا من بعض من كان يحاول الحصول على هذا الفيروس لبيعه، ولكن أيضا يتم اختطاف البروفيسور "Tom" hanks"، فتتم مساعدته من قبل طبيبة يتضح أنها صديقة العبقري المهووس وتريد أن تعرف مكان الفيروس لتحقق غايته، وتفجر الكيس الذي يحتويه، بعد أن عرفت منه الموقع (آيا صوفيا) فتذهب لهناك وتحاول جاهدة تحقيق حلم صديقها الشاعر كما تصفه.

 وتدور الأحداث في محاولة الجميع العثور على هذا الفيروس كل لغايته، الفيلم بفنيته العالية، يتحرك بين أفلام الرعب والجريمة، وأفلام الواقعية. ولكن البعد الإنساني الذي مثلته العلاقة القديمة بين البروفيسور ورئيسة منظمة الصحة العالمية التي انتهت جديدا كما في السابق لاهتمام كل منهما بعمله، ودفاعهما حتى التضحية بالنفس عن حق الإنسان في الحياة، والبعد الفني التاريخي المعقد والمرتبط بجحيم دانتي (وهو الجزء الأول من قصيدة الكوميديا الإلهية) لحل اللغز شكلا قيمة العمل الحقيقية في رؤيته السردية، ورؤيويته السينمائية، النص الفيلم الذي يحيلك لنبوءات الأدب والفن المتكررة كما في الكثير من الأعمال الفنية.

تعليقات