مقاماتجريدة عمان _ثقافة
١٩_10_2020
فاطمة الشيدي
نساء
1.
سيدة المكان:
المرأة التي تعمل في تنظيف طاولات المكان الكبير الذي نرتاده جميعا كضيوف ثقال غالبا، وإزالة فضلات الطعام التي نخلّفها وراءنا دون أدنى تقدير أو شعور بالمسئولية.
المرأة الغريبة السحنة واللغة ماتزال تتهادى بجسدها الرشيق المرهق، وتتعثر في غربتها وحزنها، وتمسح دموعها التي تسقط على الطاولات التي يجلس عليها أطفال كلما حدث ذلك.
ثم تبتسم لشقاوتهم العذبة وهم ينظرون إليها بحب ويضحكون لها بحنان قلوبهم الوافرة الاخضرار .
تبتسم بحزن وهي تستحضر ضحكات أطفالها وجوعهم ووحدتهم بدونها وتنشط في عملها بجد وجهد لتوفّر لهم المزيد من المال والمستقبل.
المرأة التي كانت تتمنى أن يقدم لها أي كائن في هذا العالم وردة في يوم المرأة. ماتزال تنظف فضلات رواد المكان وتحلم أن تعود لمكانها ولغتها وأطفالها، وما أزال أتأملها كلما عبرت المكان.
2.
سيدة المراحيض:
المرأة التي أراها كثيرا، التي تعيش في دورات المياه أكثر من نصف يومها، لتنظف قاذوراتنا العابرة للمكان، وتبادرنا بالتحية والابتسام كلما عبرناها بغطرسة تكتسي ثوب التواضع والطيبة أحيانا كثيرة.
كانت اليوم تبتسم حين سألتها عن حالها .
قالت: (خلاص) سأرحل قريبا، فقد أنهيت هذا العام بناء بيتي، وتخرج أطفالي من الجامعة.
انحيت أمامها بتقدير عظيم وأنا أنصرف، وقد رأيت الله يباركها، والملائكة يكنسون تحت قدميها مع أنها ليست مسلمة.
3.
سيدة العدم:
المرأة التي صاحبت العدم منذ أصبح الوعي شجرة جهنمية تستريح تحت هجيرها الحارق، والتي منذ انتبهت لضرورة الفرح أصابتها كآبة الأعياد، كل فرح يشكل لها حزنا وجرحا في ذاكرة القلب.
منذ البدء كانت تحلم لتنجو منها ومن كآباتها الحارقة. ولكن كل شيء يجئ أبدا ممزوجا بلذعة غياب وذكريات فرح غابر وكآبة طارئة.
للأسف عرفت أخيرا أنه لا ظل يقيها حرارة الحزن، فقد خلعت ظلها منذ البدء تحت شجرة الفقد. وصارت تتألم كثيرا لكل شيء وتستشعر حساسية النقد لكل شيء في هذا الوجود وحساسية الروح المغتربة، كجرح مفتوح أو عصب ضرس ملتهب. لا تعرف ماذا تريد، وعم تبحث، وإلى أين تنتهي. ومع هذا تمضي وستظل تمضي.
تفكر كل يوم بحزن في مفاهيم كثيرة كالصمت والصدق والاغتراب والصداقة، الصمت الذي ينقضه الكلام المكتوب الذي نسفحه كثيرا، والكذب الذي تناقضه المجاملة اللطيفة فتقطع صلته بالصدق، لديها أصدقاء لا تعرفهم، ولا تعرف شيئا عن الكثير من تحب. يقتلها الاغتراب الذي يحدث تحت الجلد تماما، في الوطن وفي البيت وفي السرير أيضا.
لا تحب دور الآباء، ولذا لا تحب، الساسة والمسئولين والمعلمين المرشدين ورجال الدين، ومدربي التمنية البشرية. حتى والدها لم تحبه كثيرا إلا حين أصبح صديقا يحتاج أصدقاء، ثم أصبح عاجزا يحتاج أبناءً للعناية به.
تحب الحياة ببذخ أحيانا كما جميع البشر لبعض الوقت، ولا تجد غضاضة في ذلك خاصة إذا استوعب الإنسان أن هذا مؤقت.
تغرس أظافرها في وجه الكون بحثا عن الحب، الحب الذي يمثل الصدق، في حين ينتشر الكذب كفقاعات الصابون في كل مكان، الكذب الملوّن كقوس قزح والمبرر كالأديان. وهي تدرك جيدا أن بين الحب والكذب لا صلة ولا مكان.
تلمّع روحها كل صباح لتعيش ليوم جديد ولتكتب نص جديد . هكذا تمضي من العدم وللعدم.
٤.
سيدة الوجع
هي مصابة بكورونا، هكذا تقول نتيجة الفحص الإيجابية. خرجت من المستشفى بعد ثلاثة أيام من الاحتجاز، وضعتها العائلة في غرفة خاصة، وتقوم العاملة الثانية في المنزل على تقديم الطعام لها عن بعد، تسألها ربة المنزل عن صحتها أكثر من مرة في اليوم، الطفل الصغير يقول لها أنا "أحبك ميري" كم مرة في اليوم من وراء الباب.
هذه المرة هي مرهقة وتشعر بالتعب كما دائما، ولكنها لأول مرة تشعر بالسعادة أيضا!
هي من أولئك الذين ولدوا ليستأنسوا بالشقاء ويؤاخوا المعاناة، ويخلطوا الألم مع نكهات العالم، لم تجد يوما يدا تربّت على كتفها، أو روحا تواسي روحها؛ وجدت نفسها طفلة يتيمة بعد أن فارقت أمها الحياة بمرض عضال لتنسى ألعاب الطفولة، ووهن الجسد فيكون لزاما عليها أن تعتني بوالدها المسن وعائلتها المتكونة من خمسة أخوة وخالة ضريرة، وعمة عجوز، يعيشون معا في بيت مصنوع من الخشب والقماش ولتمد تلك الأفواه الفاغرة بالطعام استأجرت قطعة أرض صغيرة تزرعها بالأرز . كانت تستيقظ لتعمل فقط، وتنام لترتاح ساعات قليلة كي تستأنف العمل بهمة أكبر.
وحين نضجت ثمارها وحلمت بالحب وجدت نفسها وقد تزوجت من رجل بسيط وكبير في السن وعاطل عن العمل وفقا لقيمة المال التي تملكه العائلة في بلد على المرأة أن تدفع المال للرجل.
وهكذا ومع الزمن أضافت للعائلة أربعة أفواه جديدة ولجسدها عمل أكثر وتعب أطول لإطعامهم.
وحين سمعت أن جارتها ذهبت للعمل في بلاد الذهب الأسود وأنها تحصل على راتب شهري جيد؛ قررت أن تقدّم لنفس العمل وبالقليل من المال الذي كانت قد جمعته بعد شقاءات عديدة ومواسم صعبة اشترت ما تحتاج للسفر من أوراق وذمم وضمائر وخرجت من الوطن والأهل للغربة والصمت، ومن التعب للتعب والذل.
وجدت نفسها تحلّق في السماء وحيدة خائفة؛ لكنها هذه المرة حرة من كل الأعباء، بل ثمة من يعتني بها ويخدمها ويقدم لها وجبة طعام بين فترة زمنية وأخرى حتى تمنت أن لا تصل وتظل عالقة بين السماء والأرض. ولكنها وصلت لبلاد أخرى، وسحنات لا تشبهها، ولغة لا تفهمها. ووجدت نفسها تعمل في منزل مكوّن من عائلة كبيرة تقوم هي وحدها بهيكلها النحيل وصمتها الذليل بتلبية كل مطالبهم وتنظيف كل قاذوراتهم.
وحين أنهت سنتيها المتفق عليها في العقد أعادتها العائلة للمكتب لعدم رضاهم عن خدماتها، وهكذا كان البيت الثاني متعِبا أيضا ولكنها احتملت لأنها لاتريد العودة للجحيم الذي هناك، وتلك الأفواه التي أصبحت اليوم تسدها بيسر مع الراتب الذي تأخذه.
وهذا هو البيت الثالث، جاءته من عدة أشهر فقط، البيت كبير وأهله طيبون، وعدد الأسرة خمسة أطفال والأم والأب. لديهم عاملة أخرى تساعدها وسائق، لذا فالعمل أسهل بكثير وغرفتها مريحة والسائق والعاملة بمثابة أخوة، لذا وجدت الراحة أخيرا في هذا البيت، السيد رجل محترم يبادرها بالتحية كل صباح، وصاحبة المنزل امرأة طيبة كذلك. ولأنها أي السيدة امرأة عاملة فقد وضعت لها جدولا بالمهام التي عليها أن تقوم بها كل يوم فقط دون كثير تدخل أو إزعاج، ومن تلك المهام الطبخ والتسوق، وكان كل منهما يثني على طبخها كلما طهت شيئا مميزا سيما "البرياني" و"الشباتي" و"البكوراه" و"السمبوسة" وهي الطبخات التي تحبها العائلة.
منذ فترة عقدت لهم السيدة اجتماعا هاما وعاجلا وقد بدت خائفة ومرتبكة، وأخبرتهم عن مرض خطير يعصف بالعالم أجمع يسمى "كورونا" وأكدت على تعليمات النظافة الشخصية، وغسل الأيدي مرارا أثناء اليوم وبعد كل عمل أو لمس شيء ما، وعدم الخروج من المنزل إلا للضرورة القصوى مع الالتزام بقوانين صارمة في حالة للتسوق؛ واستخدام الكمامة والمعقمات وكل وسائل الحماية.
كانت هي تتابع عبر الهاتف الذي منحته لها العائلة أحوال بلادها، وتأثير ذلك المرض عليهم، وعلى العالم وتنام في قلق على أسرتها المتكونة من المسنين والأطفال فقط، وتستيقظ لتبدد ذلك القلق في عملها اليومي، كانت تؤجل القلق وتتبع الأحوال حتى المساء حين ينتهي عملها؛ لتفتح الهاتف قبل أن تنام، وتعرف ما تريد أن تعرف ثم تتصل بأطفالها وعائلتها وتطمئن عليهم، فتشعر بالراحة وتغفو في سلام حتى الغد خاصة أن سيدة المنزل قد وعدتها أنها ستستمر في العمل معهم لوقت طويل.
في تلك الليلة _والتي كانت قبلها بيومين أو ثلاثة تقريبا قد خرجت للتسوق مع السائق كالعادة ولكنها وكالعادة أيضا لم تفعل أي شيء من الاحترازات التي أوصت بها السيدة_ شعرت بالحمى والصداع فتحاملت على نفسها وكلّمت أطفالها واطمأنت على أحوالهم. ولكنها في الليل لم تستطع النوم بسبب السعال الشديد فكانت تلك ليلة ليلاء. في الصباح لم تستطع النهوض من فراشها الذي بلله العرق، سمعتها العاملة الأخرى وأبلغت السيدة، ولحسن الحظ لم تدخل الغرفة التي كانتا تتشاركان فيها؛ لأنها بالليل تنام مع الأطفال.
أمرتها السيدة بالتزام الحذر، وبوضع الكمامة وأخذها السائق للمشفى القريب، وتم احتجازها هناك عدة أيام وفعلا كانت النتيجة إيجابية.
إنها الآن مصابة بكوفيد ١٩، ولا تعرف ماذا يخبئ لها الغد من شقاء بعد أن أحست بالأمل والأمان والراحة لزمن قليل.
٥.
سيدة الإحسان:
لم يعرفها الكثيرون شخصيا، ولم يرها أحد ربما، هي بالطبع ليست نجمة أو جميلة لتتناقل الألسن والصفحات والشاشات أخبارها، وليست كاتبة أو ناشطة لتملأ الصفحات الضوئية "مواقع التواصل تحديدا" ضجيجا.
لم تكن نرجسية أو دعائية لتصور كل فعل تقوم به، وتوثق كل خير تفعله، فقد كانت لا تريد إلا وجه الله في كل ما تفعل، لذا لم تعمل إلا سرا، حتى لا تعلم شمالها ما أنفقت يمينها، فهي لم تشبه هذه العوالم الزائفة، وكائناتها المروجّة كدعاية رخيصة لكل حدث وفعل وعبور.
لكن الجميع ربما سمع كثيرا وجميلا عن يدها البيضاء، عن سعيها للخير، وعن محبتها للناس ومساعدتها للمحتاجين والفقراء . ثم جاء ذلك الرثاء النبيل لغيابها، كل تلك الحسرات والتوجع والحزن لوداعها من بشر لم يروها إلا صورة بعد الموت في هذه المواقع .
إنها السيرة الحسنة، والفعل الحقيقي المتفرع كحبة قمح أنبتت سبع سنابل والله يضاعف لمن يشاء، والذي يبقى بعد الموت، وربما يظهر أكثر ويتجلى.
المرأة البارة المحسنة في زمن الأنانيات والدعايات السمجة، والفعل الناقص إلا من ضجيج أو صناعات إعلامية .. ذهبت إلى مشفوعة بعملها الذي خلّفته في الدنيا، "فروح وريحان وجنة ونعيم".
Translate
مساحة لتدليل غواية الحكي، ونبش ذاكرة الوقت 💚☕

تعليقات