جريد عمان -الثقافة
13-9-020
فاطمة الشيدي
13-9-020
فاطمة الشيدي
ما أن تشاهد فيلم "آدو" الأسباني الذي يحكي قصة طفل صغير في شمال أفريقيا يشاهد مع أخته بسبب فضوله الطفلي عملية قتل فيل للحصول على قرونه _رغم تجريم السلطات لذلك الفعل_ ولفرط رعبهما من أن يشاهدهما القتلة ينسيان دراجتهما الهوائية لتبدأ رحلة شاقة من العذاب والغياب والفقد التي يحرمه من أمه فوطنه وأخته وتنتهي به لاجئا في أسبانيا التي تحاول منع تدفق اللاجئين بكل السبل، وبسبب ذلك تكثر جرائم العنصرية وقهر الإنسان؛ حتى تتذكر فلويد الذي استيقظ العالم ذات يوم من سباته ومن إيماناته المخدره واعتقاداته السمجة والباهتة على روحه تسلب من رجل أبيض يظن أنه يملك سلطة تؤهله لسلب الأرواح، حيث كان الضحية يتلوى تحت جسد الشرطي الأبيض الحقير الرابض على عنقه والمسكين يحاول الخلاص بفزع ووجع، متوسلا الحياة ومتسولا النفس، ولكن دون فائدة، فعنف ذلك العنصري الراسخ، وظلمه المستبد، وسلطته الرعناء وكبرياؤه الملعون، وعزته الآثمة أبت ألا يتحرك عنه حتى فارق الحياة وخرّ صريعا أمام أنظار العالم وكاميراته ليظل صوت توسلات ذلك الإنسان البسيط والعادي والذي خرج ليقضي حوائج أسرته ويشتري حليبا لطفلته_ يخترق آذان العالم المتفرج وضميره الميت ويقض مضجعه الآمن.
لقد ألقى فلويد بجسده حجرا صغيرا في مياه الظلم الآسنة والعنصرية الجاثمة على البشرية وأطلق صرخته لتوقظ الجمع من سبات تغمره الأحلام الكاذبة عن مفاهيم العدالة والحرية والإنسانية.
ولتهز العالم المتفرج بصمت على المسرحيات الهزلية عن الأمان والسلام والعدالة والحرية؛ لتقول له استيقظ أيها الأحمق فالزيف والظلم هما فقط من يمسكان بزمام العالم ويتحكمان في سيرورته ومصيره.
لقد فقد إنسان روحه ثمنا رخيصا لغطرسة إنسان آخر، لعنصرية اللون، وكم هو باهظ وموجع ويدفع للغضب أن يفقد إنسان روحه بلا سبب سوى هذه الأمراض المتجذرة في النفوس.
آخ كم هو موجع! وكم من عنصرية مقيتة يحوي هذا العالم! وكم من قهر وظلم، وكم من مقهور ومظلوم يعبر هذه البسيطة بلا أدنى شعور بالأمان والراحة والمساواة!
لقد أثار قتل فلويد بتلك الطريقة الوحشية جنون العالم أجمع وغضبه، فخرجت الجموع للشوارع مثيرة لرعب السلطة التي لجأت للصمت وأحط الخيارات أمام غضب الجماهير في كل مكان.
تماما كما أثار حنق الإنسان الحقيقي في كل مكان واشمئزازه من ممثلي حقوق العالم الذين يخترقونها في وضح النهار دون أدنى شعور بالمسئولية.
إن فيلم "آدو" ومئات الأفلام مثله وربما آلاف منها قبله وبعده، كما آلاف الأقلام التي صرخت ومازالت تصرخ ضد العنصرية، تحاول أن توقظ الحس الإنساني في البشر، وتخاطب الضمير الجمعي حول قبح وبشاعة العنصرية وظلم الإنسان لأخيه الإنيان؛ لتمنع مصير إنسان آخر يمكن أن يكون مثل مصير فلويد فيموت فقط لأنه أسود.
كما تحاول أن تجعل العالم لا ينسى فلويد أبدا وتماما كما لن تفعل أسرته وطفلته الصغيرة التي بلاشك لن تنساه، ولن تنسى كيف مات أيضا.
إن كلمات فلويد في الاحتضار علامة فارقة على وحشية الإنسان وهو يقتل أخاه الإنسان كما حدث من أول الخطيئة حيث قابيل يقتل هابيل، بل ولكأن تاريخ الإنسان المليء بالدم والموت والبشاعة والقذارة منذ خروج آدم من الجنة حتى القنبلة الذرية تجلى بكامله في تلك الدقائق التسع. كما انكشف زيف الحضارة الذي تعتد بها البلاد التي تحكم العالم وتتحدث عن الحرية والديموقراطية والعدالة والإنسانية في كل وقت في وسائل الإعلام، وتحكم وتتحكم في مصير الدول والبشر في احتلال جديد أكثر تنظيما لتصبح شرطي العالم الذي يحكمه ويحاكمه على أي شيء. البلاد التي تصدر القوانين للعالم بوصفها راعية العالم وهي تخترقها في وضح النهار.
إن رسالة الفن السامية هي تجسيد لمعاناة الروح الإنسانية المعذبة بالقهر والظلم والعنصرية وتخليدها لتكون صلاة محبة لتلك الأرواح هناك في الأعالي، صلاة السكينة والسلام التي لم تجدها على الأرض، وصرخة الوجع والغضب التي تشطر أرواحنا وتبقيها على قيد الإنسانية حتى نلتقى معها يوما.
ولذا أظن أن فلويد الآن يبتسم في الأعالي وهو يشاهد الفن الذي ينتصر لقيمة الإنسان بلا فرق في اللون والجنس أو الدين، ويشاهد الضمائر وهي تحاكم الظلم والعنصرية، أو يتتبع دمعة تسيل على خد أحدهم وهو يتذكره مع مشاهدة أحد الأفلام؛ فيشعر بالقليل من السلام والغبطة لأن حياته التي لم تكن فارقة انتهت بطريقة فارقة، وموته البشع قد يغير في قوانين العالم ضد العنصرية وضد كل سلطة تقرر أن تسلب روح الإنسان وكرامته وحريته وإنسانيته.
ولعل روحه التي أزهقت بلا سبب والتي صارت حطبا أشعل الثورة ضد القهر والظلم في كل مكان ترقد الآن بسلام هناك، وتهنأ بالغضب الذي اشتعل في كل مكان ما أن فارقت الحياة بتلك العنصرية القبيحة، ولاحقا تحول لفن وذاكرة إنسانية. وفقط عسى أن لاينسى العالم فلويد وقضية "العنصرية" اللونية التي تمثل أعلى درجات القهر والظلم؛ لأنه وللأسف ذاكرة الإنسان مثل عمره قصيرة وهي مثله رهن عوامل كثيرة منها المصلحة الشخصية، وأن تسن قوانين تحكم الجميع بما فيهم رجال الشرطة، ومافيات السلطة وحكومات العالم المتحكمة في الإنسان ورزقه وعمره أحيانا كثيرة.
وأن ينتبه العالم أن اللون والجنس ليسا مبررا للموت ولا للقهر والفقر والظلم، وأنه يجب الانتصار للذين قتلتهم وشردتهم عنصرية الإنسان تحت كل المسميات في الحياة أولا وفي الفن دائما. وأن نصلي أن لطف الله الذي يغمرهم في الأعالي يغمرنا هنا أيضا.
.
فاطمة الشيدي
لا أعرف ماذا تفعل بنا الموسيقى! إنها ببساطة تحررنا من كل وزر وقيد داخلي وخارجي، تمشي في دمنا، تحمل أوزار الكلمات لتقتلنا بها، تربكنا إذ تقولنا، تأخذ من هدوئنا أحيانا، وتجعله واسعا أحيانا وكأنه يضغط على أرواحنا، تلبسنا الفرح تارة وتحفر جروحنا تارات، تنقلنا من حالة إلى أخرى أو إلى حالات متعددة في ذات الوقت.
إنها رسائل العاشق للمعشوق تارة ولقلبه تارة أخرى، تلك الإبرة التي ينسج بها فوضاه العدمية وحنينه الدافق ووخزات الذاكرة الملبدة بالوجع والمسافات والذكريات.
نخلع عليها أوجاعنا فتأخذها بين يديها تهدهدها وتهدهدنا بها، تستثير أعصابنا، وتؤجج أوجاعنا، وتستطيل معها وبها أوهامنا.
الموسيقى شماعة القلب المثقل الذي يعلّق عليها آهاته وذكرياته، أوجاعه وأحلامه، خساراته وهزائمه، المرآة التي نبصر عبرها فتنة الألم، ويسري معها الحزن في مسارات الفراغ وانبثاقات العدم داخلنا، ويتصاعد متخثرا في الماضي.
وحدها الموسيقا اليد التي تربت علة تصدعاتك وتزيدها انقساما وانشطارا لتتبعثر فيها في الزمان والمكان وقد تتلاشى في فكرة الحزن تماما.
وحدها المستحيل الذي يرمم عجز الكائن أمام كل شيء، فيجد نفسه وهنا ضعيفا حائرا ذاهبا في تلافيف، مجرد لافتة على طريق طويل.
وحدها المستحيل الذي يرمم عجز الكائن أمام كل شيء، فيجد نفسه وهنا ضعيفا حائرا ذاهبا في تلافيف، مجرد لافتة على طريق طويل.
إنها “البَنَدول” الذي يسكن الألم، والماسح الضوئي للندم، والكاشف لإرهاصات اللهفة والدمعة لتتكور حية طرية فتسقط فيحدث التطهير الروحي، أو يتصاعد ليصبح حقيقة خارج مسارات الرفض اللاواعي، أو التسكين تحت أغطية الحال والواجب.
كل أغنية هي صدى لما يعتمل في القلب، هي شماعة الفرحة المخبأة التي تتدفق مع الكلمات، أو الحزن الغارز أنيابه في باطن القلب الذي يهتز ويربو مع اللحن فيستدير ويتشكل ويخرج بلا خوف.
نحتاج الموسيقى لنشفى، ولنرقى، ولنفرح، ولنهدأ، ولنتذكر، ولنحِن، ولنطبب جراحنا القديمة، ونبدأ جراحا جديدة، معها نحن نبحث عن جراح لنتألم لأن الألم حاجة كالحب تماما.
نحتاج الموسيقى لنفهم أنفسنا، ولنفهم من نحب، ولنقرأ ذواتنا في مراياها الشفيفة ولنعرف بم يشعر من نحب.
عبر الموسيقى نتكلم بلا صوت، ونشعر بالأشياء مضاعفة وباهظة في وجعها وفي حنينها وفي ارتباكاتها لأنها الملح الذي يفتق الجراح، واليد التي ترتقها في ذات الوقت، فحياة بلا موسيقى هي غلطة بلا شك كما يقول نيتشه.
٢.
اليوم ومع هذا الكم الهائل من الأعمال الأدبية المطبوعة شعرا وفكرا وسردا، ومع الكثير من التراث الإنساني الفكري الخالد الذي لا يتسنى للمرء الإحاطة به كله؛ تمثل الصدفة الحالة الأكثر موضوعية لاختيار كتاب للقراءة الحرة التي لاتتطلب مشاريع فكرية مجدولة، الصدفة التي قد تسوقه إليك في مكتبتك فيتقدم قليلا، أو تراه في يد صديق، أو تتعثر به مسموعا وأنت تبحث عن شيء ما. أو يجذبك اسم المؤلف الذي سمعت عنه كثيرا وتقول لنفسك أنك لم تقرأ له بعد. هذا يحدث مع كل كتاب أما الرواية فهي الأكثر قابلية للقراءة لسهولة هضمها عبر تتبع حكاية ما، فالرواية عمل فني يعكس رؤية الراوي ومشاعره واهتماماته، وإن كانت الحياة الخارجية (المجتمع) الذي يتحرك فيه السارد بأحداثه الرئيسية الآنية أو الماضوية وبقضايا الإنسان شكلت مادة رئيسة برانية للكثير من الروايات، فإن هناك الرواية الداخلية أو الرواية النفسية، التي هي نوع من أعقد الروايات وأكثرها جاذبية لبعض القراء (وأنا منهم) تلك الرواية التي تتناول الفكر الإنساني والوعي والروح طبعا مع تفاوتها في تناول الأحداث الخارجية المحيطة بالشخصيات، ولأن كل رواية لابد لها من عناصر بنيوية (حكاية، وفضاء نصي، وشخوص، وحبكة ونهاية) فالرواية النفسية غالبا لا تتخلى عن تلك المكونات الرئيسية ولكنها لا تعتمد عليها إلا في صناعة هيكلة النص، أما قيمتها فهي تستمد من اختلاجات الوعي، والنسج الفكري والحوارات الداخلية لبعض الشخوص (البطل غالبا) لتحريك الأحداث، بينما تكون النقلات السردية الواضحة هي نقلات داخلية أكثر منها نقلات خارجية، كما أن التقنيات النفسية التي يعتمدها العمل بالتركيز على حاجة داخلية كالاهتمام بفكرة ما أو الانطلاق من فوبيا ما كالخوف أو رغبة كالانتقام مثلا أو السقوط في اليأس أو الإدمان وغيرها من اضطرابات نفسية تشكل مفترقات نفسية هامة في بناء الشخصيات.
فالرواية النفسية غالبا تعتمد الاحتكام للماضي النفسي المؤثر والصانع للشخصية، كما تعتمد عددا قليل من الشخصيات لتحريك جوهر العمل وفكرته التي يدور حولها.
ومن أجمل الروايات النفسية التي قرأتها مؤخرا وأخذت بها بعد صدفة جميلة ساقتني إليها، رواية “لأني أحبك” لغيوم ميسو. العنوان الذي للأسف لا يعكس عمق مضمون هذه الرواية، بل وفي البدء قد تظنها إحدى روايات المراهقين، ولكنك تكتشف مع القراءة كم هي الرواية فعليا عمل رائع بل ورائع جدا، عمل يرفعك للروايات العظيمة كروايات تولستوي ودوستويفسكي وكازانتزاكيس، فلغة الرواية العذبة والعميقة بعذوبتها الشعرية وإيحاءاتها الفكرية وظلالها النفسية، لغة تلامس داخلك ببرودة الماء، لتستشعر أهمية الصنعة اللغوية في حياكة نسيج النص، خاصة لقارئ يجيء إليها من منطقة الشعر، فتعلو معها وتسكن إليها، ثم تلمس عمق المضمون وإنسانيته تلك المنطقة التي تعرف كم هي مهمة للكاتب لبيان إنسانيته وحساسيته في تلمس مواضع الظلم والقهر والخلل ومحاولة ترميمه عبر الكتابة.
إنها رواية تنتصر للمهمشين في كل المجتمعات حتى تلك التي نراها من بعيد حلما للإنسانية وفردوسا للعدالة حتى لكأنا نظن أنه لا يسكنها إلا السعداء.
كما تنتصر للقيم الإنسانية، القشة التي يتشبث بها الغريق في وجود رمادي يدفعه دفعا للغرق فتنقذه؛ كالصداقة التي تنشأ بين صبيين (كونور ومارك) يجمعها الفقر والعذاب، الصداقة التي تعتبرها الرواية القيمة الأكبر والأكثر أهمية للإنسان ليستمر بحال أفضل، مع قيم العائلة كالأبوة التي لا تعني أبوة النسب بالضرورة فمارك يتعلق بالطفلة (ليلى)التي ليست من صلبه تعلقا يجعله يراها الحياة، ولذا حين يفقدها يقرر معاقبة نفسه بالعيش في المجاري أسفل بيته انتظارا لها، أما المليونير (هاريسون) فهو يحاول مع ابنته المدمنة كثيرا (أليسون) وينقذها في كل مرة لأنها الشيء الأكثر أهمية بالنسبة له، طبعا مع قيمة الحب الذي يعادل الحياة والذي يرتبط بالتضحية والإيثار بين (نيكول ومارك) الذي يدفعه للتضحية بنفسه لإنقاذها في اللحظة الأكثر اضطرابا وخوفا، وبين (إيفي وكونور) اللذَين أنقذهما الحب من الماضي وأخذهما نحو الحياة.
إنه العمق الإنساني للعمل الذي يسير بموازاة العمق المعرفي والفني، الذي جعل جيوم ميسو الروائي الفرنسي الشاب يصبح من أشهر الروائيين العالميين، وتترجم أغلب أعماله الروائية الثمانية للكثير من لغات العالم ومنها العربية

