نقد المثقف
إن الوقوف عند شخصية المثقف العربي - دون التعميم- تدفع
بإشكاليات عديدة على السطح، فالمثقف المنظر بامتياز للحرية والإبداع واللاقيدية في
الفكر والشعور، الذي ينادي بلغة المنطق والاحتكام للعقل؛ كثيرا ما يعيش فجوة
أخلاقية مع ذاته ويمارس خيانته لقناعاته ولمعتقداته، وبذلك يحيا في تناقض مروّع .
إن انحسار الثقافة إلى زوايا
محددة كالقراءة والتنظير هي أزمة يعيشها المثقف العربي لأن فعل الممارسة الواقعية
والحقيقية لهذه الثقافة مجتزأ أو مغيب كلياً، فالجمال والبهاء الذي يقرأه وينظر له
المثقف يظل حبيس الكتب والأدراج وسفطات الموسيقى، وتظل داخله مساحة سوداء مغلقة
محكومة بالعادات والتقاليد وقيود المجتمع.
إن أغلبية المثقفين
العرب سادن في حراب ماضيه، مقيد في نرجسية الذات وفصامها، يعيش مستغرقا في
حالات من الفرار الداخلي أو الخارجي والتغني بالوهم، وإبداعه لا يتجاوز الذات
وملذاتها، وقد تشكلت نصا أدبياً محكوما بلذة عابرة وشهوة مقتنصة ونفي نفسي خارج
الإطار الاجتماعي.
إن حالات العصاب والذهان والفصام
التي أصابت المثقف العربي هي حالة لا سواء فهو ناكص على عقبيه سادر في غيه يتقرب
زلفي لكل لذة وشهوة راسماً كل ذلك في فنتازية نرجسية ويكتب من خلال الذات وإليها .
ولكن الثقافة الحقيقية المطلوبة أو
المحددة بحكم النظريات كفعل واجب الحدوث شامل لكل جوانب الحياة من الذات حتى
الآخر بصورة فردية وجمعية غير واردة التحقق مع معظم من يمكن نعتهم بالمثقفين ، بل
العكس هو الحاصل ، فهذه التناقضية الطاغية تشمله في بيته ومحيطه الخاص
والعام ، فهو إما بعيد عن أي تشكيلات اجتماعية سابح في ملكوت صعلكة مبتغاة ،
يغيّب بقصدية مفرطة الذات المنطقية ويبحث لها عن قبور لذائذية ليستحضر ذاتاً
متماهية هشة أقرب للحزن والجلد واللاسواء ، أو يحيا أطرا هشة يحكمها التماهي من
قبله والأسى من قبل الطرف الآخر في فصام ثقافي وشخصي عجيب .
إن نظرة المبدع الفصامية ترى في ذاته حلاجاً
يستبيح لذاته الجبة العليّة فهو حري بكل رفض وكل لذة وهو الأعلى المتنزه العالي
المستحق للعلو والتبجيل ولمطر السماء من الفضة والذهب في حين يرى الآخر
بشقيه : (المجتمع ) مركز الجهل والتخلف الذي ينبغي أن يبتعد عنه كي لايصاب
بالعدوى ،و (المرأة) تفاحة اللذة والغواية ، أو محطات عابرة لهذه الذات النرجسية
المدفوعة بحكم الوجع الإبداعي والغرغرة الأبدية أو سادنة ريب الوجع وسيد اللغات
والفكر وهي الشق المغيب في حظيرة البيت.
وتمتد الصورة لتكون أكثر عتمة - بحكم المورثات
- المغضوب عليها في عرف التنظير ، والمشكلة للذات في واقع الحال لتكون
المرأة العورة الواجب سترها والحرمة الواجب إخفائها .
إن هذا الفصام يدشن لللا سواء الاجتماعي لأن النخبة
المفترضة والصفوة المهيأة بحكم دورها التنويري ، والتي يقع عليها عبئ تنويرية
الجمع وكشف الظلمات وحجب كل ما قد بحجب النور عن العامة ، ودرأ جوانب الوهن عن
المجتمع ، تلك النخبة ذاتها لجأت للظل واستكانت للسخط والغضب والرفض وجعلت هذا
المجتمع ضال في عرفها عار من كل ما يستحق من أجله التنوير والسعي له ، والإنعزال
الانفرادي في غياهب الغي الذاتي واللذائذ المباحة وسديمية الغربة وفجوة التناقض
الحياتي بين الممارس والمنظر له لذا فإن كل ما يقوم به المبدع يكون متناقضاً
مع ذاته ويكون بذلك ثمة أزمة حقيقية لدى المثقف العربي بين التنظير والتطبيق .
وهم الحداثة العربية
لا تعدو الحداثة في العالم العربي -حتى الآن- أن تكون إلا
موجة عاتية من الجدل بدأت مع انكسار ظهر القرن العشرين وانتصاف ظله، ولم تغدُ بعد
يوما مذهبا أدبيا واضح الملامح والأعلام، فلقد شُنت حربا شعواء عليها وعلى أعلامها
-منذ مغازلاتها الحيية الأولى للثقافة العربية- حتى دون أدنى إلمام
بمعنى أو قيمة الحداثة، فجعلوها مرادفة للكفر والإلحاد والخروج على المجتمع وقيمه
وعاداته.
وربما من قبيل مواجهة الداء قبل الاستفحال والاستشراء
رفضها المتلقي العربي عموماً، وبعض المشتغلين بالثقافة الحداثة الأدبية رفضا
قاطعا؛ مما شكّل حاجزا بينهم وبين رموز وملامح هذا التحوّل النوعي في الثقافة،
ولعل هذا الرفض مرده تجذّر القديم في العقل العربي، مما شكّل مساحة
مغلّقة ضد الجديد، وملّغمة بالنفي والرفض له، والقسوة عليه إذا شكّل مساحة خطر
محتملة على المألوف والمرغوب.
ذلك التجذر المستند في أعمق مستوياته إلى احتكام
العقل العربي إلى سلطة الحبكة القائمة على القهر حتى في تقييمهم لذواتهم وللآخر،
فالتشكّل المبكر للعقل العربي قائم على التعامل المباشر مع الحسي والملموس،
والائتلاف مع المألوف والعادي باستراتيجياته القائمة على التفاصيل والجزيئات، ورفع
قيمة المحكي والشفهي والمتداول (وهذا ما يمثله الأدب القديم) بدون فلسفة القائم،
وترميز الصورة الذهنية، واستحضار الأسطورة، وكثافة اللغة، وهذه هي آليات
الأدب الحداثي ومعطياته.
إن الإذعان لماضوية الفكر والتراث فقط
(مع الأخذ بعين الاعتبار استحقاق تلك النصوص لكل الاحترام) كمحك مطلق يقاس عليه
الأدب، وإسباغ صفة الشر الحكائي على كل ما يخالف ذلك الضمير الجمعي، ورفض وضعه تحت
مجهر النقد، شكل حاجزا قاسيا ضد الحداثة الأدبية، فالروح والفكر العربي التي استلذت
الغنائية، وأنشدت القصيدة على أقدام وحوافر الجمال، لم تكن لتستلذ جو الحزن
الذي شاع في القصيدة الحديثة (التفعيلة، أو النثر) التي لم تحتكم إلى لغة الحكاية
أو خلخال غنائية القصيدة، ولا إلى تلمس الأعمى لكل مفردات الكون ليتسنى له
الوصول، ولا إلى منبر الخطيب الذي ينوّع في نغماته الصوتية ونبراته اللحنية بحثاً
عن التصفيق والإعجاب وإحداث اللحظة الدهشة، ولا إلى قولبة روح النص في إطار
القافية والبحر والروي، ولا إلى تراتيبية المعاني المشاعة، وكأنها وقد استحدثها
البدوي العربي من بيئته المتقاربة تقدست من بعده بفعل الاكتشاف، فالمها،
والعين والنخلة والظبية و ... و .. امرأة.
ولم ينتبه العقل العربي إلى أن
الذات العربية في زمن العواء والرصاص والقنابل الذرية والإحباطات
والانكسارات التي خيم في أروقتها ظلام اليأس وسطوة الجلاد وغربة الحق، واللسان
المحاصر بألف لا وألف مقص؛ لا تناسبها غزليات لغة امرئ القيس، أو زهو عنترة،
أو حتى فخر وحكمة المتنبي، وأن نفسية العربي في عصوره السابقة، ليست هي
ذات النفسية المتوشحة بالأسى والضبابية والغموض والوجع في هذا العصر، وأن وظيفة
الأدب لم تعد هي ذات الوظيفة من التطريب والإمتاع، ونشر الأخبار والهجاء والمدح
والرثاء، وإكساب ود حبيب، أو امتداح ملك، أو نشر خبر أو إقناع جمهور ..
ورغم كل ذلك العداء إلا أن الحداثة كاتجاه أدبي وفني بدأ
يزحف خارج المؤسسة ويتبلور في قيمته ومكانته بين الكتاب والمثقفين، حتى أصبح يحتل
مكانة السبق والصدارة في الكثير من الدوريات والمحافل الأدبية.لأن ثورة التغيير
التي شملت الخارج بكل متعلقاته من عمران وحيوان ومعيشة (وتقبلها الجميع)، كان لابد
أن تنعكس على الداخل بالضرورة، ولابد أن تشتغل الأقلام ضمن معطياتها الجديدة، التي
شكلت حالة استفزاز لدلالات اللغة، واستنفار لطاقاتها الغفل، وتعدديتها الكامنة،
وبعث الغائب والبعيد من الألفاظ والمعاني، والعودة للمعاجم، ففترات الضعف والضمور
التي مرت بها العربية أصابت الكثير من مفرداتها بالغربة على لسان مثقفيها فكيف على
لسان العامة؟!
لقد جاءت الحداثة لتعيد بعض ما غاب من مفردات اللغة،
ولتقوّي بعض ما قد ضعف بحكم التجاهل، لتتهم –من البعض- بتقويض روح النص وإقصائه عن
ذهنية المتلقي، وإحداث فجوة بين الأدب وقارئه، وتغريب اللغة، فمن أين بدأت تلك
الفجوة، ومن المسئول عنها الأديب؟ أم المتلقي بأشكاله الفردية والجمعية، الذاتية
والمؤسساتية ؟؟
يمكننا أن نقول أن دائرة المسئولية تمتد لتشمل :
المتلقي:
فبعد المتلقي العربي عن الموارد الثقافية، واحتكامه إلى
النفعية المادية والاجتماعية السطحية، وفصله لحاجات الجسد عن حاجات الروح والعقل،
وإعطاء كل وقته وجهده للجوانب الأولى، وإهمال الجوانب الأخرى بالدعاوى والذرائع
مثل: مادية العصر، والحاجات الإنسانية الملحة. كل ذلك أخلّ بجوانب التلقي وآلياته،
وقلل شريحة المتلقين للنص الجديد، وكان السبب وراء النتيجة التي وصلت بالعلائقية
الروحية التاريخية، المتأصلة في عمق الذاكرة الإنسانية بين المبدع والمتلقي إلى
الانتهاء بقطيعة رحم، وانعزال كل في حاجته وشغله.
لذا فالحاجة إلى حلقة وصل بين الفريقين حتمية؛ لردم الهوة
بين المبدع والمتلقي، ودعوة المتلقي لتكوين ذاكرة نصية ثرية وغنية، وعميقة
الاجتراح في الروح والشعور لفهم النص الجديد.
- المبدع:
إن محاولات الهروب التحويلي من قبل المبدع الجديد؛
نحو هلامية اللغة وتهويمات الخيال، والتسبيح بلغة الغارق في الإبهام والإيهام،
والمتعجرف في بناء نص جاف بعيد عن روح الجمال،كتحدي سافر للمتلقي، وتدشين متعال
لوهم الإبداع برصف كلمات متماهية خارج المعنى اللغوي والفكري، وعدم اللجوء لبناءات
شعرية أدبية حقيقية، عذبة، مدهشة، وذات لغة تراهن على الحضور والثبات في محيط
الفوضى العام، جعل هذا النص نصا نخبويا، بعيدا عن المتلقي.
الناقد:
المؤسسة:
وهي من أهم أسباب هذه القطيعة، فالمؤسسات التربوية
والثقافية مسئولة عن إحداث هذا الخلل، فهي تقوم بدور حقيقي في إقصاء الأدب الحديث
عن القراءة والإطلاع، ففي حين تقصي المؤسسة التربوية ذهنية الطالب الغضة عن النص
الجديد، وتستبعده من مناهجها؛ نقوم المؤسسة الإعلامية بشقيها المقروء والمسموع
والمشاهد بتعميق تلك القطيعة، وتوسيع تلك الهوة، وذلك بإقصاء لغة وأعلام ولمسات
هذا الأدب عن المتلقي؛ من خلال عدم بثه في قنواتها العديدة، والتي يمكن أن تكون
وسيلة التعريف التي تفتح الباب لدخول فضول المعرفة نحوه.
لذا نحن بحاجة لتضافر الجهود الفردية والمؤسساتية؛
لكسر حاجز الدهشة نحو النص الجديد، والدعوة لتذوق بلاغة هذا الخطاب، بكل ما يحمله
من جماليات وآفاق لا متناهية الفكر واللغة والمخيلة.