الإثنين 13_7_2020
جريدة عُمان
مدخل (1)
"ثمة شعاع غمرني اليوم تجليات
لقد ولدت من جديد
من منظورات هذا التجلي: بلوغ انفتاحي الفكري أهليّته، بلوغي الاجتماعي بلغ نقطة توازنه
دراستي الجينالوجية"
مدخل(2)
"في وسعي أن أكرس نفسي لأي شي: طائر كنار، امرأة، بحث تاريخي، الحل المستحيل لمعضلة نحوية لا مجدية...حينئذ نعم قد أكون سعيدا، ربما، لكن لا قيمة لشيء عندي غير أخاييل أحلامي، فتلك أشياء حقيقية بمحض ذاتها. حتى عندما أملك لذة الحلم بها. أحس بمرارة أني أحلم بها"
مدخل (3)
"أنا ظل نفسي ذاتها، أبحث عن الظل.
أحيانا أتوقف عند حافة نفسي وأتساءل ما إذا كنت مجنونا أو أنني سر موغل في السريّة"
بيسوا. يوميات
ما أن تقرأ بيسوا حتى تقرر الصمت، إنه يلقمك الحجر تلو الحجر لتصمت، لترتعب من الكلام، لتأخذك القشعريرة، والحيرة والشك في جدوى الكتابة! والجديد الذي ستقوله، لتخبر به العالم أو تعبّر به عن نفسك، وكل ما قيل أو سيقال قاله كاتب عظيم كبيسوا! وبطريقة عظيمة لا يستطيعها أي كاتب بعده.
بيسوا الفيلسوف الذي وضع كل كلمة في روح المعنى وأفقه البعيد، الشاعر الذي صنع مجازاته الخاصة ومعجزاته الفنية، وبلاغته المجيدة من روحه القلقة، ومن وعيه المرهق بعيدا عن كل تقليد وعن أي مجاراة، المثقف المتعدد اللغات، والمترجم النبيه، والقارئ الذي توغل في الكتب حتى تشرّبها وأطلقها عصارة خاصة في كتاباته، والمبدع الذي أرهقته الذات والكون والإنسان واعتصره الحزن فكتب ما كتب بدمه خائفا مترددا متوجعا، كافرا بكل شيء متشظيا في العدم حتى آخر دفقة وخفقة وجرح.
ولكنك مع كل ذلك القلق تقرر أن تستمر قليلا في المعاناة وأن تكتب في الأقل لترفع نخب هذا الكبير، لتقول له: لقد عبرتك يوما في اللغة، واشتغلت بفكرك زمنا عن تفاهات العالم وشاركتك حزن الأبدية، وإشراقات المجهول، لقد تتلمذت على يديك وعبرت بعض الزمن معك وبك، واستنشقت دمعك ودمعك. ويحق لي الآن أن أكتب عنك وإليك، وأن أرفع نخبا لوهجك ما أن انتهيت من قراءتك، وتذوق جراحك الحية ولغتك القاتلة، وأقرع كأسك في صحة اليأس، وفي صحة الألم الإنساني الخفي، وفي صحة الإنسان المنهك من الوجود ومن الناس ومن نفسه ومن العزلة، أرفع نخبا وهميا في صحة الكتابة والكاتب.
لم يكن بيسوا غريبا عليّ حين قررت أن أقرأ يومياته هذه، ولكني في الحقيقة لم أكمل له كتابا في مضى؛ فقد كنت ما أن أقرأه حتى أشعر بصداع شديد وبألم في عظامي وبحكة في روحي تبعدني عن الحياة وتجعلني أغرق في ذاتي لزمن طويل منتشية بالحزن والألم وكأنني أتوحد مع لغته وأتلبس اكتئاباته واشرئباباته في الحنين والوجع واللغة، ثم أعود لأقرأه مجددا وربما أبدأ من حيث بدأت في المرة السابقة، فأن تقرأ بيسوا يعني أن تحمل مشرطا يذهب لأعمق منطقة في روحك، يعني أن تبدأ عزلتك الجبرية معه وأن تمضي في حالة التشظي به، وأن تتداخل عزلتك في عزلته وتشف روحك عن روحه، يعني أن يكون وجعك مضاعفا، وعزلتك مضاعفة.
ولأننا نعيش عزلة جبرية وطويلة بفضل السيد كوفيد 19 قررت الامتثال له والمثول بين يديه مجددا ولكن عبر يومياته، قلت نفسي إنها ليست شعرا أو تأملات غارقة في اليأس. ظننت في البدء أن اليوميات ستكون أسهل وأخف عبئا من نصوصه الأخرى، إنها في النهاية كتابة للحياة ولن تكون بذات القوة والقسوة الشعرية أو النصية (خارج الأشكال الفنية المحددة التي مارسها كثيرا)، ولكن تقديم المترجم (المهدي أخريف) وضّح لي منذ البداية عكس رغباتي، بل أن السبب الفعلي لنشر هذه اليوميات وترجمتها لما وجد فيها من شعرية عالية وعمق جارح كما في كل كتابات بيسوا.
كانت اليوميات الأولى بسيطة وطيّعة، تحكي تفاصيل صغيرة وبسيطة عن حياة بيسوا ودراسته ومواعيده العادية والعمل كمترجم، وعن قراءاته التي تشعرك بالحسد لكثرتها وعمقها، وعن الخالات والأصدقاء ولكن ما أن تمضي قليلا في الكتاب الصغير الحجم (101صفحة من القطع المتوسط) حتى تبدأ تلك التأملات الحالكة في جلدك، فتنهمر عليك سيول الألم الحادة، حتى تجد نفسك مذهولا ومأخوذا بها، تائها في خضما، متأملا كل ذلك الجمال الذي يصدر متوجعا متأملا ومتألما، وتجد اليأس والإحباط والقهر هو الوسيلة الأعظم لفهم العالم ولقراءة دواخل الإنسان.
بيسوا الشاعر والناقد والمترجم البرتغالي الكبير الذي عاش اليتم مبكرا في سن الخامسة، وتنقل بعدها بين أفريقيا ولشبونة، ومضى بسرعة عابرا الحياة (1888-1935) ليفارقها بداء التشمع الكبدي تاركا أعظم الأثر وأروع النتاجات الأدبية عبر شخصياته الكثيرة التي اخترعها وعبر ذاته القلقة التي تجسدت في كل كتبه ومنها اليوميات التي كتبها بين ( 1906- 1935) بتباين في تفاصيل التدوين، وقفزات في الزمن، واختلاف في أسلوب الكتابة وشخصياتها . وهو الكتاب التي نشر عن دار توبقال 2017. ليكون بذلك آخر أثر لبيسوا في عين قارئ يشاركه هذه الحكمة:"دائما سعيت إلى أن أكون متفرجا على الحياة بدون أن أتورط فيها. على هذا النحو أعاين الذي يحدث كغريب باستثناء ما أستخلصه من الوقائع المبتذلة المحيطة بي من شهوانية مريرة.
لا أحتفظ بأي حقد لمن سبب هذا. لا أحقاد لدي ولا كراهيات. هذه المشاعر تخص من يملكون آراء أو مهنة أو هدفا في الحياة. وأنا لا أملك من هذا شيئا. ما أملكه في هذه الحياة هو اهتمام محلل لأنماط الجنون. أتوقف. أفك رموزها ثم أواصل إلى الأمام. لا أقحم في ذلك أي عاطفة. لكن لا مبادئ لدي. اليوم أدافع عن فكرة وغدا عن نقيضها. ولا أؤمن بما أدافع عنه اليوم، ولن يكون لدي إيمان بما أقوله الآن، اللعب بالأفكار والمشاعر بدا لي دائما هو الأسمى في جماليته، أحاول أن ألعب بهن قدر ما أستطيع.
لم أشعر قط بأنني مبعد. كم أنا ممتن لتزويدي بهذه المتعة! إنها شهوانية ناعمة كشيء بعيد.
إنهم لا يفهموننا، أعرف ذلك تماما.."
بيسوا الفيلسوف الذي وضع كل كلمة في روح المعنى وأفقه البعيد، الشاعر الذي صنع مجازاته الخاصة ومعجزاته الفنية، وبلاغته المجيدة من روحه القلقة، ومن وعيه المرهق بعيدا عن كل تقليد وعن أي مجاراة، المثقف المتعدد اللغات، والمترجم النبيه، والقارئ الذي توغل في الكتب حتى تشرّبها وأطلقها عصارة خاصة في كتاباته، والمبدع الذي أرهقته الذات والكون والإنسان واعتصره الحزن فكتب ما كتب بدمه خائفا مترددا متوجعا، كافرا بكل شيء متشظيا في العدم حتى آخر دفقة وخفقة وجرح.
ولكنك مع كل ذلك القلق تقرر أن تستمر قليلا في المعاناة وأن تكتب في الأقل لترفع نخب هذا الكبير، لتقول له: لقد عبرتك يوما في اللغة، واشتغلت بفكرك زمنا عن تفاهات العالم وشاركتك حزن الأبدية، وإشراقات المجهول، لقد تتلمذت على يديك وعبرت بعض الزمن معك وبك، واستنشقت دمعك ودمعك. ويحق لي الآن أن أكتب عنك وإليك، وأن أرفع نخبا لوهجك ما أن انتهيت من قراءتك، وتذوق جراحك الحية ولغتك القاتلة، وأقرع كأسك في صحة اليأس، وفي صحة الألم الإنساني الخفي، وفي صحة الإنسان المنهك من الوجود ومن الناس ومن نفسه ومن العزلة، أرفع نخبا وهميا في صحة الكتابة والكاتب.
لم يكن بيسوا غريبا عليّ حين قررت أن أقرأ يومياته هذه، ولكني في الحقيقة لم أكمل له كتابا في مضى؛ فقد كنت ما أن أقرأه حتى أشعر بصداع شديد وبألم في عظامي وبحكة في روحي تبعدني عن الحياة وتجعلني أغرق في ذاتي لزمن طويل منتشية بالحزن والألم وكأنني أتوحد مع لغته وأتلبس اكتئاباته واشرئباباته في الحنين والوجع واللغة، ثم أعود لأقرأه مجددا وربما أبدأ من حيث بدأت في المرة السابقة، فأن تقرأ بيسوا يعني أن تحمل مشرطا يذهب لأعمق منطقة في روحك، يعني أن تبدأ عزلتك الجبرية معه وأن تمضي في حالة التشظي به، وأن تتداخل عزلتك في عزلته وتشف روحك عن روحه، يعني أن يكون وجعك مضاعفا، وعزلتك مضاعفة.
ولأننا نعيش عزلة جبرية وطويلة بفضل السيد كوفيد 19 قررت الامتثال له والمثول بين يديه مجددا ولكن عبر يومياته، قلت نفسي إنها ليست شعرا أو تأملات غارقة في اليأس. ظننت في البدء أن اليوميات ستكون أسهل وأخف عبئا من نصوصه الأخرى، إنها في النهاية كتابة للحياة ولن تكون بذات القوة والقسوة الشعرية أو النصية (خارج الأشكال الفنية المحددة التي مارسها كثيرا)، ولكن تقديم المترجم (المهدي أخريف) وضّح لي منذ البداية عكس رغباتي، بل أن السبب الفعلي لنشر هذه اليوميات وترجمتها لما وجد فيها من شعرية عالية وعمق جارح كما في كل كتابات بيسوا.
كانت اليوميات الأولى بسيطة وطيّعة، تحكي تفاصيل صغيرة وبسيطة عن حياة بيسوا ودراسته ومواعيده العادية والعمل كمترجم، وعن قراءاته التي تشعرك بالحسد لكثرتها وعمقها، وعن الخالات والأصدقاء ولكن ما أن تمضي قليلا في الكتاب الصغير الحجم (101صفحة من القطع المتوسط) حتى تبدأ تلك التأملات الحالكة في جلدك، فتنهمر عليك سيول الألم الحادة، حتى تجد نفسك مذهولا ومأخوذا بها، تائها في خضما، متأملا كل ذلك الجمال الذي يصدر متوجعا متأملا ومتألما، وتجد اليأس والإحباط والقهر هو الوسيلة الأعظم لفهم العالم ولقراءة دواخل الإنسان.
بيسوا الشاعر والناقد والمترجم البرتغالي الكبير الذي عاش اليتم مبكرا في سن الخامسة، وتنقل بعدها بين أفريقيا ولشبونة، ومضى بسرعة عابرا الحياة (1888-1935) ليفارقها بداء التشمع الكبدي تاركا أعظم الأثر وأروع النتاجات الأدبية عبر شخصياته الكثيرة التي اخترعها وعبر ذاته القلقة التي تجسدت في كل كتبه ومنها اليوميات التي كتبها بين ( 1906- 1935) بتباين في تفاصيل التدوين، وقفزات في الزمن، واختلاف في أسلوب الكتابة وشخصياتها . وهو الكتاب التي نشر عن دار توبقال 2017. ليكون بذلك آخر أثر لبيسوا في عين قارئ يشاركه هذه الحكمة:"دائما سعيت إلى أن أكون متفرجا على الحياة بدون أن أتورط فيها. على هذا النحو أعاين الذي يحدث كغريب باستثناء ما أستخلصه من الوقائع المبتذلة المحيطة بي من شهوانية مريرة.
لا أحتفظ بأي حقد لمن سبب هذا. لا أحقاد لدي ولا كراهيات. هذه المشاعر تخص من يملكون آراء أو مهنة أو هدفا في الحياة. وأنا لا أملك من هذا شيئا. ما أملكه في هذه الحياة هو اهتمام محلل لأنماط الجنون. أتوقف. أفك رموزها ثم أواصل إلى الأمام. لا أقحم في ذلك أي عاطفة. لكن لا مبادئ لدي. اليوم أدافع عن فكرة وغدا عن نقيضها. ولا أؤمن بما أدافع عنه اليوم، ولن يكون لدي إيمان بما أقوله الآن، اللعب بالأفكار والمشاعر بدا لي دائما هو الأسمى في جماليته، أحاول أن ألعب بهن قدر ما أستطيع.
لم أشعر قط بأنني مبعد. كم أنا ممتن لتزويدي بهذه المتعة! إنها شهوانية ناعمة كشيء بعيد.
إنهم لا يفهموننا، أعرف ذلك تماما.."
