التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي
16_5_2020


صباح الخير ياأمي..   أشتاق إليك فقد مضى شهر ونصف تقريبا منذ رأيتك آخر مرة، ومضت ثلاث سنوات منذ رأيت وجه أبي وهو جسد مسجى بين يدي دموعنا، حين يحناحنا الحزن نبحث عن أكثر من نحب، ليس أكثر منكما أحد والأحبة (الأخوة والأخوات) الذين هم أمتداد لكم. وهم أيضا في بعد بعيد منذ ذات الزمن.
 أنا بخير يا أمي هنا مع أحبتي، على الأقل لم نقع في شرك بهذا الرعب العالمي الذي قلب حياتنا رأسا، نعم يا أمي أستيقظ الآن وأشعر أن رأسي مقلوب للأسفل وقدماي معلقة في السقف وأنتظر كل يوم أن تدور الكرة الأرضية فاستعيد زمني ومكاني، أنت تعلمين جيدا أكثر من أي شخص آخر هوسي بالنظام، حياتي التي تمشي وفق خط مستقيم وكل تعرج يخدش روحي، حتى أغيره ذات يوم فأحوله لشكل هندسي آخر دائرة أو مربع أو حتى معين بأضلاع متكسرة. لكن ما يحدث الآن مريع أكثر مما أحتمل أنا المرددة دائما  فكرة " الحياة فعل مقاومة وجودية" أنا السوداوية التي تستيقظ لتبحث عن ثقب تتبع نوره،  قبلة سعيد، حضن لارا، ورياضة قليلة، وكوب القهوة الكبير، ثم أغنية جديدة مع الاعتناء بالمظهر أو في السيارة ثم نقاشات عذبة مع طلابي/أبنائي جميلة ومتعبة غالبا، قريبة أحيانا وبعيدة غالبا، والمقهى في الكثير من المساءات مع تلك المشية الطويلة بين يوم وآخر، ونزهات نهاية الأسبوع في اللعب مع أو العشاء مع  وهكذا يمضي العمر مع الاكتئاب القديم بحب أكثر وفداحة أقل، وقد أحتال على نوبة عصية بكتابة جارحة أو ثرثرة مع أخيّة أو تسوق مريع لا أحتاج له غالبا.   لكن هذا الأمر أربك كل مقاومتي تلك، ولم تنفع كل حيلي لتجاهله، فلا وجوه أوزع حزني في مساماتها، ولا قلوب أبثها الشكوى والثرثرة، والقهوة الخارجية لم تشفع لها ماكينة القهوة التي فاجأني بها القلب الحنون.
وكل ال Onlain لم تقنعني ولم تقنع لارا ولاحتى الأيسكريم الذي نطلبة بالسيارة.
رسائل طلابي بالإيميل لا تشبه أصواتهم ولاتحمل ملامحهم وهم يطرحونها في الفصل أو حتى في عبورهم الدافئ في المكتب. كل مايقال عن إيجابية التعليم الإلكتروني ليس حقيقيا، فأن تقرأ نصا أرسله طالب ليس هو أن تسمعه يتحدث وتشم رائحة روحه ووعيه عبر كلماته، طبعا ناهيك عن صعوبة القراءة والمتابعة لكل التكاليف من امرأة مثلي تعاني حساسية دائمة في العين والصداع النصفي شقيقتي الأزلية. ومع ذلك أخصص له وقتا طويلا من وقتي لأنه العمل الذي يجب أن أؤديه.
لاشيء حقيقي اليوم يا أمي. نحن نحاول الحياة بجهد أكبر . أصبح "الحوش" و"الشرفة"  المقهى الذي نطل منه على العالم، ولكن أي عالم . فالعالم محتجب في بيوته وحتى السيارات قليلة. هذا ناهيك عن الخوف، فكل عابر هو مشروع عدوى لذا نتجنب القرب في تجوالنا الخفيف في الحارة، أو مشتنا اليومية