التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

"أكتب لأن صوتا بداخلي لا يهدأ" سلفيا بلاث


فاطمة الشيدي
جريدة الموجز

نكتب للزمن، للذين سيعبرون نصوصنا بدهشة الغرباء، لأولئك الذين سيأتون بعدنا وربما عرفوا معنى أن تكتب الكارثة وأنت تحياها، وقد يتفهمون معنى أن تكتب عن الموت من داخله وعن الحياة من خارجها وعن الإنسان وأنت تحاول أن تستأنس حيونته.
أولئك الجدد المختلفون ربما تفهموا ملح الجراح البعيدة وكآبة الماضي الذي هو نحن. ربما استوعبوا أن يكتب جيل القلم والرصاص على شاشات زلقة أحلامهم النزقة ورغائبهم الميتة وأفكارهم الشوهاء. فتتبخر في أروقة الضوء كقصاصات من عدم.
ربما وقفوا قليلا عند حروفنا المريضة بالكآبات المقيمة والسلام الطارئ فاستعانوا على فهمنا بكتب التاريخ والمخطوطات العتيقة.
واستعاذوا بالحب من كراهيتنا، وبالخير من شرور الوقت الذي وجدنا فيه.
نكتب للزمن لأقلام ستنظر لنا من بعيد، وستتحسس وهجنا المنطفئ واشتعالاتنا الميتة بالقليل من الإكبار الذي يليق بالموتى.
نكتب للزمن. لزمن لن نعرف كيف سيكون، وكم ستتغير فيه الأبجديات والأصوات. فلربما نظروا إلينا كديناصورات منقرضة يحملون لها وفاء النهايات المتربصة والحنين القديم والخوف من الابتلاء.
نكتب لزمن آخر أخضر من أزمنتنا القاحلة زمن تمطر فيه السماء شعرا أخضر. زمن تكون فيه عيون القراء زرقاء وشاشات الهواتف زرقاء وأصابع الأطفال زرقاء. وحدها كتب الشعر خضراء إذ ينبت العشب على حوافها كقلوب الأمهات تماما. ولذا فسيكون ثمة قراء للشعر، ودور نشر وثمة أصدقاء لأحزان الشعراء.
نكتب لزمن آخر يكون فيه الإنسان تجاوز ترهات الخرافات وأحلام الموتى واعتنى بواقعه وبأحلامه هو.
نكتب لزمن يكون الجمال فيه معيارا واضحا لا يختلف عليه ولا يحتاج أصابع معقوفة تدلل القبح ليحاذي الجمال، ولا تنبح أصوات فيظن البعض أنها تغني، ولا يقبض الصغار على مفاصل الأبواب كي يمررون زيفا رخيصا فيصفق لهم من هم أصغر منهم فيصبح التصفيق موضة والتقدير عليلا.
نكتب لزمن الموت حيث جلال الغياب ولغة الصمت القاطعة وهذا معنى أن تكتب الكارثة.