التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

دروس تاربخية

فاطمة الشيدي
4_5_2020



أتابع برنامج "حارات" على قناة عُمان يوميا بفخر ومحبة، أتأمل عبره تاريخنا؛ تاريخ المكان المخضّل بدم الإنسان وعرقه.
أتأمل بدهشة كيف حفر الإنسان العماني ذاته في المكان ونحت تاريخه فيه بلا كسل ولا ملل، وكيف صاحب الطبيعة بل اتحد معها، وأقام فيها؛ فأصبح جزءا أصيلا منها، كالشجر والصخر والبحر!
افكر كيف استطاع الحياة بأقل القليل، وكيف عاش حياة طيبة بتلك الممكنات البسيطة فقط، وكيف سخر  الطبيعة ومواردها دون ضرر بها.
لقد بنى بيوته من كل متاح  كالحجارة والطين وسعف النخيل، ومهد الطرق وشق الأفلاج ليحيا بكرامة وعزة، ولم يقتصر على الحالة النفعية التي جعلته يسكن في الطين شتاء وفي السعف صيفا بل كان يصنع بجماليات لا متناهية وفن عظيم بيوته حيث لم يهمل النقوش والبراويز والروازن والزخرفة في النوافذ والأبواب والسقوف بعناية ودقة تستحق الإعجاب مع الزمن، وفي أوانيه التي نحتها من الطين بروح وعمق فنان معتمدا على حس تاريخي وطبيعة خيّرة وكريمة ونفس راضية وحكيمة شكلت المجتمع بأخوة صادقة وتكافل مستمر فلا يجوع جار، ولايهمل وحيد أو معتاز.
لقد ترك لنا تاريخا من الجمال والعمق يقول لنا اليوم الكثير أمام عدم الاهتمام بحضور هذا التاريخ في حياة الإنسان الجديد ليكون درسا حيا له،  وفي السياحة ليعرّف الآخر بالعمق التاريخي للإنسان والمكان.
يقول لنا الكثير أمام كسل إنسان النفط الجديد الذي ضيّع كل شيء وارتهن لرخاء الذهب الأسود، وانفصل عن الطبيعة في سيرورته الحضارية والتاريخية التي يجب أن يستلهمها وهو يعمل بيده ويتقدم في الحياة بجسده وعقله معا؛ فيشتغل بكل عمل ويساهم في كل وظيفة ويتحرر من كسله الجديد ويسهم بدوره في البناء بجهد واجتهاد.
إن الحتمية التاريخية تلقي بظلالها اليوم على الإنسان حكومة وشعبا ليستكمل دورتها الجديدة بوعي ومسئولية في اتجاه العمل بكل ما يكفل حياة كريمة للإنسان والمحافظة على المكان من جهة والاهتمام بنتاجات الإنسان التاريخية في المكان سياحيا لتشكل قيمة حضارية ودخلا مساندا، وتعريفا بتاريخ المنطقة التي يجهلها الكثيرون.
إن كل ما على هذه الأرض ثروة يجب الاهتمام بها بكل الوسائل الممكنة وأهمها السياحة؛ فالسياحة والانفتاح على الآخر لم يعد مما يناقش فلقد فرضت نفسها بقوة عالميا، واحتلت مركزا متقدما في اقتصاديات البلدان المتقدمة منها والنامية،  وعُمان بما تحويه من  كنوز طبيعية، وجغرافيا مائزة متعددة الأوجه ومتنوعة الأشكال، ومن آثار  تاريخية كالقلاع والحصون والحارات وغيرها تستحق أن تُقدّم بكل السبل والوسائل لتكون قبلة يُحج لها، وكعبة تزار في كل المواسم وفي كل الاتجهات شمالا وجنوبا، فهل ثمة أذن مصغية!!