فاطمة الشيدي
الانتماء الجمعي والمصير الإنساني المشترك هي الفكرة التي طرحتها هذه الجائحة "كورونا" بشدة ووضوح في مقابل الكثير من الأفكار التي كانت راسخة تقريبا عن الفردانية والمصير الفردي وغيرها من الخصوصيات الإنسانية التي اخترعها الإنسان الحديث وعاش ضمنها بضغط من الرأسمالية التي هدفت لتسليع الإنسان وتفريغه من قيمه الروحية والفكرية.
لقد أثبت الحال بما لا يدعو للشك وفي كل المجالات طبيا وعلميا واجتماعيا واقتصاديا أن المصير الإنساني واحد وعلى الإنسان اليوم أن ينتبه إلى أن فكرة الوجود في مقابل الفناء فكرة جمعية يسهم كل فرد في تحقيقها عبر احترام القانون الذي فرض نفسه والامتثال لشروط المرحلة، وعبر المساهمة بما يستطيع في تحقيق وحدة المصير والتكاتف الاجتماعي والإنساني لتجاوز هذه المحنة العالمية في مداها الحالي، ومن الاستفادة من الدروس التي أنتجتها عالميا بتحقيق قواعد المصير الإنساني المشترك عبر المؤسسات والمنظمات العالمية بتشريعات تنفيذية نافذة تحكم الجميع وتضمن وحدة الكون وسلامة الإنسان، فلم يعد من المقبول التراجع لخصوصية الكائن أو حتى التكتلات الصغيرة فقط لأن خطر الفناء هو خطر شامل يشمل الكون والإنسان في كل مكان.
إن فكرة الفناء الجمعي والمصير المشترك تستعيد فكرة الكائن الاجتماعي ووحدة المصير الإنساني الجمعي وتحقق حضورها بقوة في الرؤى والتنظيرات حولها في كل أشكال الوعي الإنساني ونتاجاته الفكرية بين الفلسفة والفنون والأدب شعرا وسردا وتدوينات عابرة للإجناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كما ينتظر أن تفرز الأزمة العالمية من هذه النتاجات والمراجعات المزيد والكثير لتصبح ظاهرة ثقافية وفكرية يؤرخ لها وبها قبل وبعد كالكثير من المفترقات والمفاهيم كأن نقول ما بعد كورونا في موازاة مابعد الكولونيالية أو ما الحداثة.
إنها لحظة فارقة يواجه فيها الكائن العدم كمصير ويحاول النجاة منه عبر حالة من المواجهة التي يتقنها بالطبخ والحب والغناء والإبداع والتنظير حيث تتلاشى فكرة النخبوية ضمن فكرة الكل المعرّض للفناء والراغب في الحياة بكل الوسائل الممكنة من جهة وتترسخ من جهة أخرى كفعل مقاومة لا يختلف عن أي فعل آخر، كما لا يختلف هو عن أي إنسان آخر بأي مستوى فكري. لأن الجميع تحت مظلة واحدة وضمن احتمالات نهاية واحدة ووجود واحد ووحدة مصير شاملة.
