التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

Iost girls السينما الواقعية والرأسمالية الساحقة للإنسان

فاطمة الشيدي
20_4_2020



مجددا يؤكد لنا الواقع في السير والأفلام أنه الأكثر غرائبية وقبحا وجمالا وخيرا وشرا من كل ما تستطيعه  المخيلة. وأنه يلقن الدروس الأكثر قيمة وجاذبية وعمقا وتأثيرا لأنها دروس الحقيقة وتجارب اللحم والدم والعبور السابق أو المرافق لحيواتنا وإذا لم نتعلم منه فلن نتعلم أبدا حتى بذات الصفعة على وجوهنا والطعنات في أرواحنا.
لذا فلا غرابة أن يهتم الكثيرون وأنا منهم بالسينما والأدب الواقعيّين، ولاعجب أن تجذب عتبة النص _مقروءا أو مشاهدا_ "عن قصة واقعية" الكثيرين وأنا منهم لخوض تجربة النص/الحياة والالتحام معها، بل أحيانا كثيرة الاتحاد معها حد التشظى فيها وبها. وقد كان هذا شعوري تماما في هذا الفيلم .
هذا الفيلم الذي يتناول الإنسان المسحوق بالفقر والمرض وتجاهل الحكومات وظلم البشر. فالأم التي فقدت ابنتها المراهقة في قضية غامضة جاهدت بصرامة للعثور عليها حية أو ميتة؛ في مقابل تجاهل الشرطة لاستغاثة البنت وللبحث عنها. تلك الحادثة التي كانت خيطا تتبعه رجال الشرطة ليكتشفوا وجود سفاح يقتل الفتيات بطريقة ممنهجة ومستمرة لسنوات طويلة، ولكنهم (أي الشرطة) لايبذلون جهدا حقيقيا للكشف عن تلك الجرائم بحجة أن تلك الفتيات يبعن أجسادهن.
ذات الأم كانن قد تخلت عن ابنتها لدور الرعاية لأنها لم تكن قادرة على دفع ثمن أدويتها من مرض اضطراب ثنائي القطب أو الاهتمام الكافي بها.  الأم التي ماتت (في الحقيقة وخارج الفيلم بيد صغيرتها الثالثة المريضة بالفصام).
الفيلم يكشف لنا فكرة جريمة غامضة تهاون فيها رجال الشرطة لأن الحي الذي حدثت فيه منطقة راقية يسكنها الأغنياء من جهة ولأن تلك الفتيات فقيرات ويبعن أجسادهن من جهة أخرى فلا يستحققن الاهتمام وبذل الجهد وإثارة الرأي العام.
مظهرا (أي الفيلم) فداحة الظلم والقهر والتمييز الطبقي والإنساني بين الفقير والغني من جهة ومع المرأة (الأكثر حظا من التمييز منذ البدء وإلى النهاية كما يبدو) من جهة أخرى في مجتمع منفتح يفترض فيه   العدالة والحرية والمساواة لكن يثبت أنه لا يختلف عن أي مجتمع متخلّف في أي مكان من هذا العالم؛ فرجال السلطة (الشرطة) والإعلام يتغافلون عن جريمة القتل ويركزون على فكرة (العاهرة) وفي ذلك لايحاسب الرجل المتسبب والراغب والدافع للمال والقاتل أخيرا، وفقط يتم التركيز على تحقير أولئك الفتيات وتشويه صورتهن بالفعل الشائن وتمرير جريمة بشعة بعلّة لا تمت للجريمة بصلة.
الفيلم/القضية يعرّي هشاشة العالم البائس بذكورته الفجة، وظلمه وقبحه وعنصريته. كما يكشف وجع العدالة الناقصة أو المائلة والمنحازة في كل زمان ومكان من الوجود البشري على هذا الكوكب المريض تماما كما فعل فيروس كورونا هذه الأيام.
ولذا لا عجب أن تنتقم  الطبيعة لنفسها وللأبرياء والمظلومين أو يترصدنا الفناء وتتربص بنا الكائنات اللامرئية بأمر الخالق بما كسبت أيدي البشر.