فاطمة الشيدي
15_3_2020
في هذا العام 2020 الضاج منذ أيامه الأولى بالأحداث الجسام، وضمن القلق الذي أثاره في العالم أجمع؛ انتبه الإنسان فجأة على أكبر خطر يحيط به، خطر يهدد حياته مباشرة؛ فيلزمه بيته، ويمنعه من كل الأنشطة الإنسانية، ويحيق أعتى الخسائر بكل ما أنجز من فعل حضاري على مدى أزمنة طويلة أرهقته بحثا وتجريبا، وتراكمت عبرها منجزاته تاريخا وتقدما.
ذلك الخطر الكبير هو "كورونا" الفيروس المنتمي لعائلة عريقة من الفيروسات الفاتكة بالبشر، والمتحوّل بقوة جديدة هذه المرة، والذي انتقل من الحيوان "الخفاش حيث يعيش" للإنسان.
كورونا؛ هذا الفيروس الصغير، الجبار الكبير، أصبح يمشي بيننا بغطرسة، ويتصدر أزمنتنا بقبح، ويحاصر أمكنتنا بعنجيهة؛ وكأنه يضحك بفحش وخسة على ضعفنا؛ إذ يهرب العالم من بين يديه، ويختبئ في جحوره وبيوته، ومع كذلك قد يصله بأبسط الطرق وأسهلها؛ بعطسة حبيب أو حضن قريب.
كورونا الذي أصبح بعد فترة وجيزة من ظهوره يجوب العالم أجمع كمسافر كوني (غير مرحب به!!) يتحرك متحديا الحدود والمسافات والأعراق والجماعات، وينتشر بسرعة ويستشري بضراوة في كل مكان من الكرة الأرضية. بل لقد أصبح مقيما (غير مرغوب به!!) يمشي بين الناس، ويتغلغل في الأجساد، ويظهر على شاشات التلفاز كبطل أوحد، ويثير حفيظة السياسيين، ويُركِع الاقتصاديين، ويطفئ المدن الكبرى، ويقطع المواصلات، ويدمر العلاقات، وينثر الرعب.
لقد انتصر هذا الكائن الصغير على الإنسان بكل عقله وعلمه وتطوره، لتُسمع أنباء ذلك الانتصار المدوي في كل زاوية ومحفل من هذا العالم الذي يصدر اليوم اعترافات هزيمته بكل وجع وألم وضعف، هذا العالم الذي تكوّر حتى أصبح جسدا واحدا، وهاهو يتقلص على نفسه اليوم هلعا ورعبا، لندرك كم نحن كائنات صغيرة وضعيفة بكل ما صنعناه من أسلحة وتقدم وعمران. وكم الكون أكبر منا، وكم من الأسرار لاندرك، ومن الحقائق لا نعلم.
لقد دقت الطبيعة لنا ناقوس الخطر بعد كل ما أقترفنا في حقها من دمار وخراب عبر كورونا الكائن اللامرئي إلا في بني البشر مرضا وخوفا؛ لندرك أنه آن الأوان لنستشعر الدرس الكوني الكبير الذي قُدم لنا بأصغر الكائنات.
آن الأوان لندرك حقيقتنا في ميزان الكون بعيدا عن حذلقة رجال الأديان وأوهام البسطاء وأحلامهم وأفيونهم الديني، خاصة في عالمنا العربي الذي قد يحصد منه هذا الوباء أكثر من كل دول العالم مجتمعة وذلك بسبب جهل الشعوب واعتمادها في مواجهة وباء عالمي على الأدعية والرقى والتداوي بالأعشاب، ووزارات الصحة بأنظمتها العقيمة وإجراءاتها المتأخرة، وبعيدا عن قبح الحكومات وتسلطها، وعن غرور العلم الذي ارتكب من الفضائع في خراب هذا الكون الكثير عبر رجالاته أو تسخيراته السياسية. آن الأوان أن يدرك الإنسان أنه ليس كبيرا جدا، ولا عصيا جدا ولا محصنا ضد الفناء، بل سهل وسهل جدا جدا.
لقد قدم كورونا أعظم الدروس للجميع أفرادا بما ينقصهم من المسئولية الفردانية والوعي الجمعي، ومؤسسات ومصانع أسهمت بشكل كبير ومستمر في اختلال أنظمة الطبيعة وتوازناتها الحيوية وتعدّت على قوانينها البيلوجية، وحكومات العالم أجمع بعدم اهتمامها بالإنسان وبالاحترازات الأولية لحمايته، معريا حقيقتهم جميعا وكاشفا ضعفهم أمام أول نازلة وأهم جائحة في العصر الكوني هذا، ومبرهنا على فشل الإنسان في إدارة الكون كما يدعي وعدم الحرص على نظامه؛ الأمر الذي سيعجل بالضرورة في نهايته هو قبل أي كائن آخر.
وعلى صعيد أقرب فقد كشف هذا الوباء تأخر عالمنا العربي عن العالم تقنيا ورقميا وضعف أنظمة التعليم والصحة وغيرها من الأنظمة في فن إدارة الأزمات، وفشلها في احتواء أي أزمة بشكل عامل واحترافي تقريبا.
أما على الصعيد الإيجابي الجمعي فلقد أراح البيئة وخفف من اقترافات الإنسان المدمرة لها، كما أرخى جوا من الهدوء والجمال على الأمكنة بانحسار المد الإنساني للداخل حيث جمالية البيت ودفء العائلة وهو الأمر الذي كان الكثير من البشر لا يدركونه ولايقيمون له وزنا وكانوا يحتاجون هذه العزلة الجبرية ليستشعرون ذلك تماما كما يحدث دائما عند الملمات. على الصعيد الشخصي فكورونا يعني الكثير من العزلة، والكتير من الكتب، الكثير من القراءة والكتابة، الكثير من تعقيم الجسد والعقل معا. ولذا فالحمدلله على نعمة فهم الدروس الكونية والانتماء للطبيعة والهدوء ومحبة الكتب. ونسأل السلامة والعافية.
