التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فنادى في الظلمات


فاطمة الشيدي
7مارس 2020

أن تقرأ العمل الأول لكاتب يختار الرواية ليبدأ طريق الكتابة الطويل والشائك _أدرك ذلك أم  لم يدرك_ فهذا يعني أنك لن ترفع سقف توقعاتك كثيرا، بل وستتلمس له الكثير من الأعذار بفعل التجريبية وعثرات البدايات. وهذا تماما ما شعرت به وأنا أقرأ الرواية التي توصلت بها عبر صدفة ليست موضوعية تماما.
من العتبة  الأولى(العنوان) تبدو الكتابة أخلاقية مثالية ومحاصرة بالفكر الديني/ الاجتماعي. فالعنوان القرآني يحيل للنجاة كفعل إيماني في مقابل الظلم والظلام كظرف محاصِر .تماما كما يظهر الغلاف كعتبة أخرى هذا البعد النجاة (اليد) في مقابل اللون الأسود. وكل هذه العتبات فعلا تفضي للفكرة والموضوع وهو القيمة الأهم للنص.
حيث تتناول الرواية قضية "الأيتام" في مجتمعات قاسية لا يستطيع المرء مواجهتها بكل تمظهرات القوة كالنسب والعائلة والمال فكيف له أن يواجهها في حالة ضعف وفقد لأهم ممكنات القوة وملكاتها وهي العائلة والنسب.
طبعا إضافة إلى الضعف الأولى للإنسان في مرحلته الإنسانية وهي الطفولة وأحيانا ضعف الجسد كالطفل (عبدالرحمن) المعاق في مجتمعات الإنسان الحيوانية المأخوذة بالقوة والسلطة.
وإضافة لقوة الموضوع فهناك قوة النقلات الموضوعية بين زمن وآخر ارتداديا واستباقيا في الرواية وهو الأمر الذي يشعرك بتمكن الكاتبة؛ فالسرد الذي يبدأ في الميتم عبر محاولة المدير طرد الأولاد الذين وصلوا سن الثامنة عشر لا يفوته الرجوع في الزمن لتوضيح كيف ولد(عمر) عبر قصة استذئاب المدير نفسه على فتاة يغريها بالحب حتى تقع في شركه الحقير ليتم اغتصابها في حفلة جماعية مع أصدقائه ثم يلقي بها بلا رحمة لتتحمل النتيجة وحدها مع طفل تلاحقه صفة لقيط، إضافة إلى رسم الشخصيات بدقة وكثرة عبر حكايات متوازية تحكي كلها الظلم ضد المرأة في مجتمعات ذكورية وكيفية مواجهته بالهروب للداخل أو للخارج أو بالاستسلام والدعاء فقط. فهناك إلى عمر ومحمد وعبد الرحمن الذين يعيشون في ملجأ الأيتام جود التي تخلت عنها أمها لأن والدها يكره إنجاب البنات، فتأخذ توأمها الذكر وتترك الفتاة لقدرها، والأستاذة التي أراد والدها تزويجها من عجوز فتهرب من البيت لتعمل في الملجأ وتموت على يد صاحب الملجأ.  كما تظهر الرواية قيمةتعدد الأمكنة واختلافها بوضوح بين الملجأ، وكوخ العم مصلح، والمنجم وهي أماكن لا تمثل في مشروعيتها السردية المجتمع العماني بل تمثل مجتمعا غريبا أو هجينا بين الشرق والغرب ربما تكون في مخيلة صاحبة الرواية من قصص عامة أو حكايات قديمة أو الأفلام.
بينما تأتي عناصر الرواية الأخرى كالسرد العام البسيط والهش بمثالياته العقيمة  القائمة على تباينات الخير والشر بوضوح وفجاجة واللغة البسيطة جدا والمرتبكة في التعبير خارج روح السرد المعتمد على العمق الفني  مع أخطاء الطباعة مما يشكل حاجزا بين القارئ وبينها، إضافة للنهاية السعيدة الساذجة بعد الكثير من التعقيدات للشخصيات  كل ذلك يشي بعدم التمكن من الصنعة الروائية ويفشي بتعثر البدايات الذي يمكن تجاوزه بالإخلاص للكتابة عبر القراءة المتسعة والعميقة والمستمرة وعدم التسرع في النشر مهما كانت المغريات وتصفيق الزملاء وسهولة النشر المدفوع الثمن مسبقا.ٌ