التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

في محبة القراء

فاطمة الشيدي 
25_2_2020


أحب الصداقات الإبداعية كثيرا وأقدّرها عظيما، فما أجمل صداقة المبدعين إذ يتفهم المبدع المبدع الآخر، ويقدر حساسيته، ويستشعر منطقة إبداعه، ويقرأ كتابته من ذات المنطقة بحرقة المبدع واجتراحاته وتشظياته،  ولكنني لم أحظَ بها يوما. كان حظي دوما من الصداقة قارئ نابه، عين عامة تقرأ الإبداع في تشكله النهائي والأخير ولا تستشعر تلك الطعنات التي جاءت به، ولا الدم الذي جرى في سبيله، ولا السم الذي سري في الحلقوم والمعدة جراء ما يدفع للكتابة. ثم الإحساس بذلك للمرة الثانية أثناء كتابة النص.
ولكنني كنت ومازلت أستشعر قيمة هذا الأمر، وعمق هذا الحظ، وأدرك سعة هذه الهبة الربانية أن يكون أصدقائي كلهم تقريبا وعلى مدى عمري من القراء الحقيقيين والنابهين، فكم كنت ومازلت أحتاج لذلك؛  أنا المنهمرة باللغة كشجرة أرهقتها الريح، المنفعلة بها كالطير في رقصة الموت، والسائلة عبرها وجعا كشجرة اللبان مجروحة، أنا التي أكتب بالدم لا بالأصابع، وبالروح لا بالقلم.
أحتاج لقارئ يأخذ بين يديه ثمراتي المتساقطة ويقلبها بهدوء فيداوي رضوضها وينتبه لكدماتها، ويجمع عصارة روحي من جذع اللغة ليختبر صلاحيتها قبل أن أحرقها في مدار العام. ويلملم روحي وجروحي بعينيه.
قارئ هادئ ونبيل أبعد ما يكون عن حساسية المبدعين الذين يتحركون كعصب مكشوف في هذا الكون بقلق وجاهزية للاشتعال والشعور المضاعف بالحب والغضب والألم، وبما يحملون من قرون استشعار ناتئة للخارج تدفعهم للاضطراب والتهيج، وبما يحملون من تبايانات إنسانية كالحب والحسد والخوف وسوء الفهم وعدم تقدير مساحة الآخر الداخلية، أو المسافة الخارجية بينهما.
قارئ متزن هادئ واع يقرأ مخطوطة النص منقحة للمرّة الأخيرة غالبا بتأن ونقد رزين وعميق فيتكفل ذلك بملء ما تساقط من النص، وتقوية ما وهن من عودة ليقوى على يديه ويستقيم بين عينيه.
هذا القارئ الأول والعين الأخيرة هو أجمل هدايا الرب وأفضل عطاياه، هو صديق الكاتب ومحرره ومحتوي النص ومقيّمه.
ولذا أحب القراء؛ أنهم الصورة الأخرى لي في مرآة الكتابة، وهم أنا في شكلي الآخر وحضوري الأهم في هذا الوجود (القارئ للنص الكوني والنص اللغوي).
القارئ الذي هو الكاتب الآخر للنص في حالة من الهدوء والوعي، صاحب المسوّدة المنقّحة، المحرر الأهم، صديق الكاتب والنص ومرآتهما، من يكتب له الكاتب فعليا، ويعتني بنصه لأجله ،ويهتم له،  ويحترم رأيه المحايد، وكلما كان القارئ عميقا كان الكاتب في مأمن من الزلل وفي حل من المراجعة، وفي بعد عن الخوف. وكان النص جسرا متينا بينهما، ومساحة للتأويل البعيد والقراءات المتعددة. 
نعم لم أحظ يوما بصداقة المبدعين، لكنني فخورة دائما بصداقات القرّاء، وسعيدة بأنني حظيت دوما بصديقات وأصدقاء من أنبل القرّاء وأقربهم  لروحي وأكثرهم ولعا بالكتب وأعمقهم في فهمها.
فشكرا لمن عبر حياتي من القرّاء، والشكر موصول لمن عبر نصوصي عبر المسافات واللغة منهم. فالمجد الأبدي لكم والمحبة كلها.